دراسة رسمية حول واقع التضخم في سوريا خلال 15 عاماً
أصدرت هيئة التخطيط والإحصاء السورية دراسة بعنوان “واقع التضخم في سوريا خلال الفترة 2010- 2025″، مقدمة قراءة شاملة لمسار التضخم خلال 15 عامًا، مستندة إلى تحليل الرقم القياسي لأسعار المستهلك، وتفكيك مكوناته وربطها بالتغيرات الاقتصادية التي شهدتها البلاد
وتخلص الدراسة إلى أن التضخم في سوريا لم يكن ظاهرة نقدية فحسب، وإنما نتاج تفاعل معقد بين انهيار سعر صرف الليرة، وتراجع الإنتاج، وتعطل سلاسل الإمداد، وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، إلى جانب السياسات المالية والتمويل بالعجز، وتغيرات الدعم والأجور، فضلًا عن الصدمات الخارجية
وترى الدراسة أن العلاقة بين سعر الصرف والرقم القياسي العام للأسعار بقيت العامل الأكثر ثباتًا طوال فترة الدراسة، في حين لعبت مجموعات الغذاء والطاقة والنقل دور القنوات الرئيسية لانتقال الضغوط التضخمية إلى بقية القطاعات
منهجية الدراسة.. قراءة ربع سنوية لتطور الأسعار
اعتمدت الدراسة على الرقم القياسي لأسعار المستهلك، باستخدام بيانات مسح دخل ونفقات الأسرة للأعوام 2008- 2009، مع اعتماد عام 2010 سنة أساس للمقارنة
وتستند المنهجية إلى تثبيت الأوزان النسبية لمكونات سلة المستهلك، بما يسمح بقياس تغير الأسعار عبر الزمن بصورة دقيقة وقابلة للمقارنة بين الفترات المختلفة، كما ركزت الدراسة على التحليل الربعي، باعتباره أكثر قدرة على رصد الصدمات الاقتصادية قصيرة الأجل مقارنة بالمؤشرات السنوية
الغذاء أولًا… هكذا تشكلت سلة المستهلك السوري
توضح الدراسة أن هيكل الإنفاق الأسري في سوريا يفسر جانبًا مهمًا من سلوك التضخم، إذ تستحوذ مجموعة الأغذية والمشروبات غير الكحولية على أكبر وزن في سلة المستهلك بنسبة 39.9%، تليها مجموعة السكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود بنسبة 25.54%، ثم النقل بنسبة 7.06%، فالملابس والأحذية بنسبة 5.59%، والاتصالات بنسبة 4.24%، والصحة بنسبة 3.82%، بينما تتوزع النسب المتبقية على بقية المجموعات الاستهلاكية
وتشير الدراسة إلى أن هذا التركيب جعل الغذاء والسكن والنقل الأكثر تأثيرًا في معدل التضخم العام، نظرًا لارتفاع أوزانها داخل سلة المستهلك
وتؤكد الدراسة أن أي ارتفاع في أسعار الوقود كان ينعكس مباشرة على تكاليف النقل، قبل أن ينتقل أثره إلى أسعار الغذاء والخدمات، ما أدى إلى تسارع معدلات التضخم، وهو ما اعتبرته الدراسة دليلًا على وجود آلية قوية لانتقال الصدمات السعرية داخل الاقتصاد السوري
سبع مراحل لرصد التحولات الاقتصادية
قسمت الدراسة تطور التضخم في سوريا إلى سبع مراحل رئيسية، تبدأ بمرحلة التضخم الطبيعي قبل عام 2011، ثم مرحلة صدمة الاقتصاد وبداية الحراك (2012- 2013)، تليها مرحلة الانهيار الهيكلي للاقتصاد (2014- 2016)، ثم مرحلة الاستقرار النسبي (2017- 2019)، وبعدها مرحلة التضخم المعيشي المركب (2020- 2021)، ثم مرحلة تضخم تكاليف المعيشة والطاقة (2022- 2024)، وصولًا إلى مرحلة التضخم المضطرب في عام 2025، مع قراءة أولية لاتجاهات عام 2026
وتستند هذه المراحل إلى تطور مؤشر الأسعار، وسعر الصرف، والظروف الاقتصادية التي رافقت كل فترة
المرحلة الأولى: تضخم طبيعي يسبق العاصفة (2010- 2011)
رغم أن الاقتصاد السوري كان يعيش حالة من الاستقرار النسبي قبل عام 2011، فإن الدراسة تشير إلى أن بوادر التضخم بدأت بالظهور مع نهاية ذلك العام، بالتزامن مع بداية الأحداث وما رافقها من ارتفاع في سعر الصرف وتزايد حالة عدم اليقين داخل الأسواق
ففي هذه المرحلة بقي التضخم قريبًا من مستوياته الطبيعية، مدفوعًا بعوامل السوق التقليدية، قبل أن يبدأ بالتحول تدريجيًا إلى تضخم أكثر ارتباطًا بسعر الصرف والتوقعات المستقبلية
وتظهر بيانات الدراسة أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك ارتفع من 105.043 نقطة في الربع الأول من عام 2011 إلى 111.063 نقطة في الربع الرابع، مسجلًا زيادة تراكمية بلغت 5.73%، في حين ارتفع سعر صرف الليرة السورية مقابل الدولار من 46.925 ليرة إلى 51.362 ليرة، بنسبة بلغت 9.46% خلال العام نفسه
وتوضح الدراسة أن الربع الأخير من عام 2011 شكّل نقطة التحول الأبرز، إذ تزامنت أكبر قفزة في الرقم القياسي للأسعار مع أكبر ارتفاع في سعر الصرف، بما يعكس بداية انتقال أثر التغيرات النقدية إلى الأسواق الاستهلاكية
وتكشف الدراسة أن مجموعة الأغذية والمشروبات غير الكحولية كانت المحرك الرئيسي للتضخم خلال عام 2011، وجاءت بعدها مجموعات الملابس والأحذية، والتجهيزات المنزلية، والمشروبات الكحولية والتبغ، والصحة، والمطاعم والفنادق، بينما بقيت مساهمة النقل محدودة، في حين لم تكن مجموعة السكن والطاقة قد تحولت بعد إلى مصدر رئيسي للضغوط التضخمية كما حدث في السنوات اللاحقة
وتخلص الدراسة إلى أن تضخم عام 2011 لم يكن نتيجة انهيار في العرض أو نقص حاد في السلع، بل جاء نتيجة مزيج من ارتفاع سعر الصرف، وزيادة حساسية أسعار الغذاء، وبدايات إعادة تسعير السلع والخدمات مع تصاعد المخاطر السياسية والأمنية
المرحلة الثانية: صدمة الاقتصاد واضطراب الأسواق (2012- 2013)
تمثل هذه المرحلة، بحسب الدراسة، نقطة التحول الحقيقية في مسار التضخم السوري، إذ انتقل الاقتصاد من اضطرابات محدودة إلى صدمة مركبة شملت انهيارًا متسارعًا في سعر الصرف، وتعطلًا في سلاسل الإمداد، وارتفاعًا في تكاليف النقل والخدمات، وضغوطًا متزايدة على قطاع المحروقات بعد خروج عدد من حقول النفط عن سيطرة الدولة والاعتماد بصورة أكبر على استيراد المشتقات النفطية
وأدت هذه العوامل مجتمعة إلى موجات متلاحقة من ارتفاع الأسعار، طالت الغذاء والسكن والنقل والخدمات
وتبين الدراسة أن الرقم القياسي العام ارتفع من 129.27 نقطة في الربع الأول من عام 2012 إلى 327.67 نقطة في الربع الرابع من عام 2013، بنسبة زيادة بلغت 153.49%، بينما ارتفع سعر الصرف من 58.39 ليرة إلى 139.32 ليرة للدولار، بزيادة وصلت إلى 138.61%
كما كان عام 2013 أكثر حدة من عام 2012، إذ بلغ ارتفاع الرقم القياسي خلال عام 2013 وحده 71.39%، مقارنة مع 29.01% في عام 2012
وتخلص الدراسة إلى أن تضخم عامي 2012 و2013 لم يعد امتدادًا لما شهده عام 2011، بل تحول إلى تضخم مركب جمع بين التضخم المستورد عبر سعر الصرف، وتضخم العرض الناتج عن انقطاع سلاسل التوريد، وتضخم التكاليف المرتبط بالنقل والطاقة، إضافة إلى تضخم التوقعات الذي رافق إعادة تسعير السلع والخدمات، وهو ما جعل الأزمة تمتد إلى بنية السوق الداخلية وآليات التسعير اليومية
المرحلة الثالثة: الانهيار الهيكلي للاقتصاد (2014- 2016)
مع دخول سوريا هذه المرحلة، تشير الدراسة إلى أن التضخم لم يعد مجرد انعكاس لارتفاع الأسعار، بل أصبح نتيجة مباشرة لانكماش النشاط الاقتصادي وتراجع القدرات الإنتاجية واتساع فجوة العرض والطلب، بالتوازي مع استمرار تدهور سعر صرف الليرة
فقد شهدت هذه السنوات خسائر كبيرة في القطاعات الصناعية والزراعية، وتراجعًا في إنتاج النفط والطاقة، إلى جانب صعوبات متزايدة في حركة التجارة والنقل، الأمر الذي عزز الضغوط على الأسعار في مختلف الأسواق
وتبين الدراسة أن الرقم القياسي العام لأسعار المستهلك واصل ارتفاعه خلال الفترة بين عامي 2014 و2016 بوتيرة مرتفعة، بالتزامن مع استمرار تراجع قيمة الليرة السورية أمام الدولار، وهو ما أدى إلى انتقال آثار تقلبات سعر الصرف إلى معظم السلع المستوردة والمحلية التي تعتمد في إنتاجها على مستلزمات مستوردة، كما تؤكد الدراسة وجود ارتباط وثيق بين مسار سعر الصرف والتغيرات في الرقم القياسي للأسعار خلال هذه المرحلة
وتوضح الدراسة أن مجموعة الأغذية والمشروبات غير الكحولية حافظت على موقعها بوصفها المساهم الأكبر في التضخم، إلا أن تأثير السكن والطاقة والنقل ازداد بصورة واضحة مقارنة بالسنوات السابقة، نتيجة ارتفاع أسعار الوقود والكهرباء وتكاليف الشحن، وهو ما انعكس على أسعار الإنتاج والتوزيع والبيع للمستهلك النهائي
وتشير الدراسة إلى أن استمرار ضعف الإنتاج المحلي جعل الأسواق أكثر اعتمادًا على الواردات، الأمر الذي ضاعف حساسية الأسعار تجاه أي تغير في سعر الصرف أو تكاليف النقل، ورسخ حالة من التضخم الهيكلي الذي تجاوز كونه أزمة مؤقتة إلى مشكلة اقتصادية ممتدة
المرحلة الرابعة: استقرار نسبي.. دون انحسار الضغوط (2017- 2019)
رغم أن هذه الفترة شهدت تحسنًا محدودًا في النشاط الاقتصادي، فإن الدراسة تؤكد أن ذلك لم ينعكس على تراجع ملموس في مستويات الأسعار، بل أدى فقط إلى تباطؤ وتيرة ارتفاعها مقارنة بالمراحل السابقة
وقد دخل الاقتصاد مرحلة من “الاستقرار النسبي” اتسمت باستمرار التضخم عند مستويات مرتفعة، في ظل بقاء الاختلالات الهيكلية في الإنتاج وسعر الصرف والتجارة الخارجية، وتلفت الدراسة إلى أن أي تحسن محدود في توفر السلع كان يقابله استمرار الضغوط النقدية وارتفاع تكاليف الاستيراد، ما أبقى الأسعار عند مستويات مرتفعة
واتسم سلوك التضخم خلال هذه المرحلة بانخفاض معدل التسارع مقارنة بسنوات 2012-2016، إلا أن الأسعار بقيت مرتفعة واستمرت مجموعات الغذاء والسكن والطاقة والنقل في قيادة الزيادات، ما يعكس استمرار انتقال الصدمات بين مختلف القطاعات الاقتصادية
المرحلة الخامسة: تضخم معيشي مركب في ظل الأزمات المتلاحقة (2020- 2021)
دخل الاقتصاد السوري، وفقًا للدراسة، مرحلة جديدة من التضخم اتسمت بتشابك العوامل الداخلية مع المتغيرات الخارجية، فلم تعد الضغوط ناتجة عن تراجع الإنتاج أو تقلبات سعر الصرف فحسب، بل أضيفت إليها تداعيات الأزمة الاقتصادية في لبنان، وجائحة كورونا، وتزايد صعوبات الاستيراد والتحويلات المالية، إلى جانب استمرار تراجع قيمة الليرة السورية، وأدى ذلك إلى موجة جديدة من ارتفاع الأسعار طالت معظم السلع والخدمات الأساسية، وفاقمت الضغوط المعيشية على الأسر السورية
وتوضح الدراسة أن هذه المرحلة شهدت استمرار العلاقة الوثيقة بين تدهور سعر الصرف وارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك، مع بروز تأثير أكبر لارتفاع تكاليف النقل والإنتاج والطاقة، وهو ما انعكس بصورة مباشرة على أسعار الغذاء والسلع الأساسية، في ظل ضعف القدرة الإنتاجية المحلية واستمرار الاعتماد على المستوردات
وبقيت مجموعات الأغذية والمشروبات غير الكحولية، والسكن والمياه والكهرباء والغاز والوقود، والنقل، الأكثر مساهمة في التضخم، فيما امتدت الزيادات إلى قطاعات الصحة والتعليم والاتصالات والمطاعم، ما يعكس اتساع نطاق الضغوط السعرية لتشمل مختلف بنود الإنفاق الأسري
المرحلة السادسة: تضخم تكاليف المعيشة والطاقة (2022- 2024)
ترى الدراسة أن السنوات الممتدة بين 2022 و2024 شهدت انتقال التضخم إلى مستوى أكثر تعقيدًا، بعدما تزامنت الضغوط المحلية مع الارتفاع العالمي في أسعار الطاقة والغذاء، وهو ما أدى إلى زيادة تكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل داخل سوريا
كما ساهمت التعديلات على أسعار المحروقات والخدمات في تعزيز موجات التضخم، لتصبح تكاليف المعيشة العامل الأكثر تأثيرًا في حياة السوريين
وتؤكد الدراسة أن أي زيادة في أسعار الطاقة كانت تنتقل بسرعة إلى أسعار النقل، ومنها إلى أسعار السلع الغذائية والخدمات، الأمر الذي أدى إلى استمرار ارتفاع الرقم القياسي لأسعار المستهلك، رغم تراجع وتيرة الارتفاع مقارنة ببعض المراحل السابقة، كما بقي سعر الصرف أحد أهم المحددات لمسار التضخم، في ظل استمرار اعتماد الأسواق على السلع المستوردة ومدخلات الإنتاج الخارجية
خلال هذه المرحلة لم يدخل الاقتصاد السوري مرحلة استقرار سعري، بل مرحلة تضخم مرتفع مستدام
المرحلة السابعة: عام 2025… تضخم مضطرب
يمكن قراءة الانخفاض في 2025 بوصفه مرتبطًا بتحسن الوصول إلى الأسواق وتراجع بعض الاختناقات في طرق التوريد، إلى جانب آثار الانفتاح النسبي وتراجع سعر الصرف في جزء من السنة
لكن البيانات نفسها تظهر أن هذا التحسن لم يكن نهائيًا، لأن الربع الرابع شهد عودة واضحة للارتفاع، وعليه فإن الأدق علميًا وصف 2025 بأنه عام تصحيح سعري قوي في النصف الأول أعقبه ارتداد جزئي في نهايته، لا عودة نهائية إلى الأسعار الطبيعية
وعلى الرغم من وجود الأخبار والانعكاسات عن تخفيف بعض القيود والعقوبات خلال 2025، والإعلان عن زيادة الرواتب والمعاشات بنسبة 200% في حزيران 2025، لكن تبقى الاستنتاجات النهائية محكومة بما تعكسه بيانات الأرباع الأربعة نفسها
قراءة سريعة لعام 2026
تسببت الحرب الإقليمية التي حدثت في المنطقة بارتفاع سريع في الأسعار، إذ زادت أسعار بعض المواد وسطيًا بنسبة 30% خلال فترة زمنية قصيرة، وذلك بسبب اضطراب سلاسل التوريد وطرق الشحن
كما أن هذه الحرب أثرت في قيمة الليرة السورية من خلال زيادة الطلب على الدولار وتراجع التحويلات خاصة من دول الخليج، فارتفاع تكاليف الشحن والنقل بالإضافة إلى ارتفاع تكاليف التأمين للسفن انعكس بشكل واضح على كل المواد المستوردة والسلع المرتبطة بها
جاء ذلك على الرغم من القرارات الحكومية التي صدرت بتغيير العملة مع بداية عام 2026، إلا أنها لم تنعكس إيجابًا على التضخم والرقم القياسي، بل سببت ضغطًا على الأسعار للارتفاع ولو بشكل طفيف مقارنة مع انعكاسات سعر الصرف الذي ينعكس مباشرة على أسعار الطاقة والمحروقات، وبالتالي على جميع السلع والخدمات
وقد ارتفع سعر الصرف خلال الربع الأول من 11450 إلى 12400 ليواصل الارتفاع بعدها ويصل إلى 13200 بمعدل 15%، وهو ما انعكس على جميع المواد والسلع والخدمات، وامتص الزيادة المقرر صرفها بداية شهر أيار
وتخلص الدراسة إلى أن التضخم في سوريا خلال الفترة الممتدة من 2010 إلى 2025 مرّ بتحولات متعاقبة، بدأت بتضخم محدود، ثم تحولت إلى موجات تضخم حادة، قبل أن تستقر عند مستويات مرتفعة ذات طابع هيكلي، مدفوعة بتراجع الإنتاج، وتقلبات سعر الصرف، وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، وتكرار الصدمات الداخلية والخارجية
اقرأ أيضاً:التضخم وخنق الليرة يفاقمان معاناة السوريين وسط غلاء غير منضبط
اقرأ أيضاً:الاقتصاد السوري في 2025: التضخم يتراجع.. لكن الفقر يزداد