المشاريع الصغيرة في السويداء.. محاولات للنجاة من الأزمة وسط تمويل محدود ومستقبل اقتصادي غامض
في ظل استمرار الضغوط الاقتصادية وتراجع فرص العمل وارتفاع تكاليف المعيشة، تتجه أعداد متزايدة من سكان محافظة السويداء إلى إطلاق مشاريع صغيرة ومتناهية الصغر، في محاولة لتأمين مصدر دخل يعوض تراجع القدرة الشرائية وانقطاع الرواتب في بعض المؤسسات. وبينما تسعى الحكومة السورية الانتقالية إلى إعادة تنشيط الاقتصاد المحلي، لا تزال الفجوة كبيرة بين الاحتياجات المعيشية والإمكانات المتاحة، ما يدفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على المبادرات الفردية أكثر من السياسات الاقتصادية.
وتتنوع هذه المشاريع بين البسطات والمحال الصغيرة وورشات الخياطة وإنتاج الأغذية المنزلية والمهن اليدوية، إضافة إلى مشاريع زراعية تشكل امتداداً للطابع الريفي الذي تتميز به المحافظة.
الزراعة… فرصة تواجه تحديات الواقع
يشكل القطاع الزراعي أحد أهم روافد المشاريع الصغيرة في السويداء، سواء عبر الإنتاج المباشر أو الصناعات الغذائية المرتبطة به، مثل تصنيع الألبان والأجبان والمربيات والمؤونة المنزلية، بما يوفر قيمة مضافة للمنتجات المحلية.
لكن هذا القطاع لم يسلم من تداعيات الأوضاع الأمنية والاقتصادية، إذ تراجعت المساحات المزروعة في عدد من مناطق الريفين الشمالي والغربي بعد تهجير عائلات وعدم تمكنها من الوصول إلى أراضيها، ما حرم العديد من المزارعين من موسمهم الزراعي وأثر على مصادر دخلهم.
مبادرات أهلية لتعويض غياب التمويل
في مواجهة محدودية برامج التمويل، برزت مبادرات أطلقها مغتربون من أبناء السويداء لدعم الأسر المتضررة عبر قروض صغيرة دون فوائد، تهدف إلى تحويل المساعدات الإغاثية إلى مشاريع إنتاجية مستدامة.
وشملت هذه المبادرات تمويل صالونات حلاقة ومحال بقالة ومشاريع تربية الأبقار وإنتاج الحلويات، إلى جانب برامج لتدريب النساء المهجرات على الحرف اليدوية وصناعة الأغذية المنزلية، بهدف تعزيز فرص الاعتماد على الذات بدلاً من المساعدات المؤقتة.
تكاليف مرتفعة… وتسويق محدود
ورغم انتشار هذه المشاريع، يواجه أصحابها تحديات متزايدة تتعلق بارتفاع أسعار المواد الأولية وضعف السيولة وصعوبة تطوير المعدات، فضلاً عن محدودية فرص التسويق التي تعتمد في معظمها على العلاقات الاجتماعية أو منصات التواصل الاجتماعي.
ويؤكد أصحاب مشاريع منزلية وورشات صغيرة أن جودة المنتجات ساعدت على جذب الزبائن، إلا أن ارتفاع تكاليف الإنتاج والمنافسة مع المشاريع الأكبر يحدان من فرص التوسع، بينما يجد آخرون صعوبة في تجاوز النظرة الاجتماعية لبعض المهن أو الوصول إلى أسواق أوسع.
الاستقرار… الحلقة المفقودة
إلى جانب العقبات الاقتصادية، يلقي غموض المشهد الأمني والسياسي بظلاله على قرارات الاستثمار والعمل، إذ لا يزال كثير من أصحاب المهن والتجار الذين تضرروا خلال أحداث عام 2025 يترددون في إطلاق مشاريع جديدة خشية خسائر إضافية إذا تدهورت الأوضاع مجدداً.
ومع استمرار الأزمة الاقتصادية، تحولت المشاريع الصغيرة في السويداء من خيار لتحسين الدخل إلى وسيلة للبقاء. إلا أن قدرتها على التحول إلى رافعة حقيقية للاقتصاد المحلي تبقى مرتبطة بتوفير بيئة أكثر استقراراً، تشمل التمويل الميسر، والتدريب، وتوسيع قنوات التسويق، إلى جانب سياسات اقتصادية تعزز الإنتاج المحلي وتمنح أصحاب المشاريع فرصاً حقيقية للنمو والاستمرار.