عمال المياومة في سوريا: أجور متآكلة وقسوة معيشية بلا حماية قانونية

تحولت أعمال المياومة في سوريا إلى الملاذ الأخير ومصدر الدخل الأساسي لآلاف العائلات، في ظل تدهور الأوضاع الاقتصادية وتراجع فرص العمل النظامية. ومع الارتفاع الجنوني في الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للعملة المحلية، باتت الأجور اليومية عاجزة تماماً عن تغطية الحد الأدنى من الاحتياجات المعيشية الأساسية، لتفرز واقعاً مأساوياً لفئة هشة تواجه غياب الأمان الوظيفي والاجتماعي.

رحلة البحث عن لقمة العيش: أجور متدنية ومنافسة شرسة

في كل صباح، يتجمع عشرات العمال المياومين في الساحات العامة وعلى أرصفة الأسواق وورش البناء في مختلف المدن السورية، بانتظار فرصة عمل قد تأتي أو لا تأتي.

في مدينة اللاذقية، يبدأ يوم أحمد شماط (عامل بناء) قبل شروق الشمس متوجهاً إلى أحد التجمعات، ويقول لـ “العربي الجديد”: “أحياناً أحصل على عمل مباشرة، وأحياناً أنتظر حتى الظهر ثم أعود إلى منزلي خالي الوفاض. الأجر اليومي لا يتجاوز في أحسن الأحوال 75 ألف ليرة سورية (نحو 14 دولاراً)، وهو مبلغ بالكاد يكفي لتغطية تكاليف وجبة منزلية واحدة، بينما لا تستطيع الأسرة الانتظار حتى تتحسن الظروف”.

ولا تختلف المعاناة كثيراً في مدينة جبلة؛ حيث يؤكد مجد غزيل (21 عاماً)، الذي يعمل في تحميل وتنزيل البضائع، أن المنافسة الشديدة بين الباحثين عن عمل دفعت الكثيرين لقبول أجور منخفضة وشروط مجحفة: “عندما يقف أمام صاحب العمل عشرات الأشخاص المستعدين للعمل، يصبح العامل هو الحلقة الأضعف، ونضطر لقبول أي أجر يُعرض علينا بدلاً من العودة بلا دخل”.

واقع عمال المياومة السوريين مقارنةً بالمؤشرات الاقتصادية

المؤشر الاقتصادي والعمالي واقع الحال وتأثيره
متوسط الأجر اليومي للعامل لا يتجاوز 75 ألف ليرة سورية (حوالي 14 دولاراً)
القدرة الشرائية للأجر تكفي بالكاد لتأمين وجبة طعام واحدة وتغطية المواصلات
طبيعة قطاعات العمل قطاعات قاسية وخطرة (البناء، الحفريات، الزراعة الموسمية)
معدات الحماية والسلامة غائبة تماماً، والعمل يتم تحت ظروف مناخية قاسية صيفاً وشتاءً
المظلة القانونية والتأمينية غير متوفرة (غياب عقود العمل، التأمين الصحي، ومعاشات التقاعد)

يعاني عمال مثل سامر صباغ (عامل نقل أثاث) من تبعات هذا الواقع؛ إذ يوضح أن الغبار والإرهاق أصبحا جزءاً من حياته اليومية، ورغم محاولاته المتكررة للعثور على وظيفة مستقرة، إلا أن الواقع يفرز عليه التفكير في تأمين “وجبة اليوم فقط”.

الفراغ القانوني: لماذا تغيب الحماية عن العمال غير النظاميين؟

من الناحية القانونية، يوضح المحامي السوري عبد الله الرشيد أن قانون العمل السوري يوفر بعض الحماية، لكن الاستفادة منها تظل محدودة جداً لعمال المياومة بسبب الطبيعة غير المنظمة لعلاقات العمل وعدم تسجيلهم في التأمينات الاجتماعية.

وأشار الرشيد إلى ثغرتين رئيسيتين في هذا السياق:

  • ضعف الثقافة الحقوقية: يجهل الكثير من العمال حقوقهم القانونية، أو يتجنبون اللجوء للقضاء خوفاً من خسارة مصدر رزقهم الحالي أو لعدم قدرتهم على تحمل المصاريف القضائية.

  • إمكانية إثبات العلاقة العمالية: يتيح القانون للعامل إثبات عمله بوسائل بديلة كالشهادات، الإيصالات، أو المراسلات للمطالبة بحقوقه في حالات معينة (مثل التعويض عن إصابات العمل أو الفصل التعسفي)، إلا أن حجم الشكاوى يظل محدوداً جداً.

التبعات الاقتصادية وخارطة طريق للحلول المستدامة

يرى الخبير الاقتصادي السوري يونس الكريم أن عمال المياومة هم الفئة الأكثر هشاشة في سوق العمل السوري، لافتاً إلى أن أصحاب العمل يفضلون العمالة المؤقتة لتقليل الكلفة والتخلص من اشتراكات التأمين الالتزامية.

وحذر الكريم من أن استمرار انتشار العمل غير المنظم يؤدي إلى:

  1. انخفاض الإنتاجية العامة في البلاد.

  2. خسارة الخزينة العامة لإيرادات ضريبية ضخمة.

  3. تزايد مستويات الفقر وهشاشة الأسر التي تعتمد على دخل يومي متذبذب.

حلول مقترحة لتحسين واقع عمال المياومة في سورية

لتحسين واقع هذه الفئة وإدماجها تدريجياً في منظومة الحماية الاجتماعية، يبرز عدد من الحلول والمقترحات الاقتصادية:

  • تأسيس نظام تأمين مرن: إطلاق تأمين ضد إصابات العمل برسوم بسيطة، تتحمل الدولة الجزء الأكبر منها لتشجيع العمال وأرباب العمل.

  • تحديد حد أدنى عادل للأجور: وضع حد أدنى للأجور اليومية يتناسب مع تكاليف المعيشة الفعلية، وربطه بمؤشرات التضخم المستمرة.

  • منصات ومكاتب تنظيمية: إنشاء مكاتب حكومية أو منصات رقمية للربط بين العمال وأصحاب العمل بشكل يحفظ حقوق الطرفين بشفافية.

  • تشديد الرقابة المهنية: إلزام ورش البناء والمنشآت بتوفير الحد الأدنى من إجراءات السلامة لحماية العمال من إصابات العمل الخطيرة.

الخلاصة:

بينما يواصل آلاف السوريين رحلتهم اليومية الشاقة على الأرصفة بحثاً عن لقمة العيش، تظل مطالب عمال المياومة واضحة ومحددة: أجر عادل يضمن العيش بكرامة، وحماية قانونية تقيهم الاستغلال، ومظلة اجتماعية تؤمن مستقبل عائلاتهم.

إقرأ أيضاً: عمال المياومة في سوريا: بين سندان المخاطر اليومية وغياب الحماية التأمينية

إقرأ أيضاً: ركود يبتلع الأسواق السورية.. الليرة المتقلبة وتكاليف الإنتاج تخنق ما تبقى من الحركة التجارية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.