الاستثمار العقاري الفاخر في سوريا: طفرة استثمارية أم “كارثة” تهدد الأمن السكني؟

تواجه السياسات الاقتصادية في سوريا جدلاً واسعاً عبر وسائل الإعلام ومنصات التواصل الاجتماعي، إثر التوسع الحكومي الملحوظ في دعم المشاريع العقارية الفاخرة (مشاريع الـ VIP)، باعتبارها محركاً أساسياً للاستثمار وإعادة الإعمار وجذب رؤوس الأموال العالمية.

وفي الوقت الذي تبحث فيه الحكومة عن تدفقات مالية سريعة، يُحذر خبراء اقتصاديون ومصرفيون من تبعات هذه السياسة على هيكلية السوق السكني، وانعكاساتها التي توصف بـ “الكارثية” على أسعار البيع وإيجارات الشقق التي باتت تؤرق المواطن السوري.

1. حجم السوق العقاري الفاخر: تجميد للمليارات و”إحلال طبقي”

يُقدر حجم سوق العقارات الفاخرة في سوريا (الموجهة لأصحاب الثروات ورجال الأعمال) بما بين 4 إلى 6 مليارات دولار أمريكي. ووفقاً للأكاديمي والخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور محمود عبد الكريم، فإن هذا التوجه يؤدي إلى تجميد كتلة سيولة ضخمة في أصول غير إنتاجية، إلى جانب التسبب في ظاهرة “الإحلال الطبقي” (تهجير الأسر متوسطة ومحدودة الدخل من مناطقها نتيجة الارتفاع الجنوني للأسعار).

تأثير “المرجعية السعرية الدولارية”

يوضح عبد الكريم أن الأسعار المرتفعة للمشاريع الفاخرة تتحول سريعاً إلى مرجع تسعيري يفرض نفسه على بقية السوق:

  • رفع الأسعار تلقائياً: طرح المتر السكني الفاخر بسعر يفوق المتوسط بنسبة 30% إلى 60%، يدفع ملاك العقارات المجاورة لرفع أسعارهم دون أي تحسن فعلي في جودة عقاراتهم.

  • دولرة الإيجارات: دخول مشاريع مثل “يعفور 963” (تبدأ الوحدات فيه من 300 ألف دولار) يرسخ التسعير بالدولار، مما يدفع المؤجرين في المناطق المحيطة لرفع قيم الإيجارات لمجاراة القيمة الرأسمالية الجديدة.

2. مقارنة الأسعار والإيجارات بين دمشق وريفها

رصدت التقارير فجوة هائلة بين مستويات الدخل المقومة بالليرة السورية، وبين قيم المبيع والإيجارات المقومة بالدولار الأمريكي، والتي ارتفعت مؤخراً بنحو 25%:

المنطقة / نوع العقار متوسط سعر المبيع (بالدولار) متوسط الإيجار الشهري (بالدولار)
شقق فاخرة سوبر ديلوكس (المالكي وكفرسوسة) 1,300 – 2,000 دولار
شقق متوسطة (داخل العاصمة دمشق) 350 – 600 دولار
شقق سكنية في المهاجرين (مساحة 90 م²) ~ 85,000 دولار (944$ للمتر)
شقق على أطراف العاصمة 250 – 350 دولار
مشاريع فاخرة (يعفور 963) (مساحة 120-150 م²) تبدأ من 300,000 دولار (2000$-2500$ للمتر)

مفارقة رقمية صادمة: بالنظر إلى أن متوسط الرواتب السنوية في سوريا يقارب 1,080 دولاراً (بمتوسط 80-100 دولار شهرياً)، فإن المواطن السوري يحتاج إلى ادخار راتبه كاملاً لمدة 278 عاماً ليتمكن من شراء شقة واحدة في مشروع فاخر بقيمة 300 ألف دولار!

3. “التحسين الحضري” والتهجير الاقتصادي للسكان

من جانبه، يرى الخبير الاقتصادي والمالي الدكتور ياسر المشعل أن لجوء الحكومة لسياسة السوق المفتوح يستهدف الربحية السريعة والدفع بالدولار، متجاهلاً تقديرات البنك الدولي التي تؤكد حاجة قطاع الإسكان السوري لنحو 75 مليار دولار لترميم مئات الآلاف من الوحدات المدمرة.

وينوه المشعل إلى أن المشاريع الكبرى في مناطق مثل (قدسيا، البجاع، ويعفور) تقود إلى موجة من “التحسين الحضري” (Gentrification)، والتي تنعكس على السكان المحليين عبر ثلاثة آثار:

  1. طفرة أسعار الأراضي: ارتفاع قيم العقارات المجاورة بناءً على توقعات تحسن البنية التحتية.

  2. زيادة العبء الضريبي: ارتفاع الرسوم والضرائب العقارية نتيجة التقييمات المالية الجديدة للمنطقة.

  3. التهجير الاقتصادي: اضطرار أصحاب الدخل المحدود لبيع أملاكهم أو الانتقال لأماكن نائية لعجزهم عن مجاراة تكاليف المعيشة والإيجارات المرتفعة.

4. فخ “اقتصاد الجزر المعزولة” والحلول المقترحة

يحذر الخبير الاقتصادي الأكاديمي الدكتور محمد تيسير فقيه من انزلاق سوريا نحو “اقتصاد عقاري – خدمي” غير مستدام، ينتهي بنشوء “اقتصاد الجزر المعزولة” (مناطق رخاء فارهة ومغلقة تحيط بها مساحات واسعة تعاني من الانكماش الاقتصادي والفقر).

ولمواجهة هذه المخاطر الكارثية، قدم الخبراء الثلاثة حزمة من الحلول والأدوات التنظيمية التي يجب على الجهاز الإداري والرقابي للحكومة تطبيقها:

  • الإسكان الميسر الإلزامي (Inclusionary Zoning): إلزام المطورين العقاريين بتخصيص نسبة تتراوح بين 10% و30% من وحدات مشاريعهم لصالح ذوي الدخل المحدود (تطبيق نسبة 20% على مشروع يعفور يوفر 256 شقة ميسرة).

  • الضرائب التنظيمية والتصاعدية: فرض ضرائب على العقارات الخالية (غير المسكونة)، وضريبة على الأرباح الرأسمالية قصيرة الأجل، ورفع الرسوم تصاعدياً على العقارات عالية القيمة.

  • حماية المستأجرين وسقوف الإيجار: وضع حد أعلى لزيادة الإيجارات السنوية، وتنظيم فوضى التسعير بالدولار، ومنع الطرد التعسفي.

  • دعم القطاعات الإنتاجية: توجيه جزء من التمويل والاستثمار نحو الزراعة، الصناعة، تعزيز سلاسل التوريد المحلية، وصناعة مواد البناء لضمان نمو اقتصادي حقيقي شامل.

إقرأ أيضاً: أزمة السكن في إدلب: الإيجارات تلتهم رواتب الموظفين والطبقة المتوسطة تواجه شبح الهجرة

إقرأ أيضاً: السكن العشوائي في دمشق بين مخاوف الإزالة ومشاريع التطوير العقاري

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.