أزمة الكهرباء تهدد 30 منشأة صناعية في حماة.. الصناعيون أمام كلفة خط جديد أو توقف الإنتاج
لا تحتاج الصناعة السورية اليوم إلى سوق جديدة بقدر ما تحتاج إلى كهرباء تسمح لها بالبقاء. لكن نحو 30 منشأة صناعية على أوتوستراد حماة–حلب وجدت نفسها أمام معادلة قاسية: تمويل إنشاء خط كهربائي جديد من جيوب أصحابها، أو المخاطرة بفقدان التغذية الحالية وما يعنيه ذلك من توقف الإنتاج وتعطيل الاستثمارات وفرملة فرص العمل.
الأزمة لا تكشف فقط ضعف الشبكة الكهربائية، بل تكشف ارتباكاً أعمق في تعامل الحكومة الانتقالية مع احتياجات الصناعة. فبدلاً من أن تصل البنية التحتية إلى المنشآت بوصفها شرطاً سابقاً للاستثمار، يبدو أن أصحاب المنشآت باتوا مطالبين بتمويل بنيتها الأساسية بأنفسهم، ثم التوقيع على تعهدات تحدد حتى حقهم في الاستفادة منها مستقبلاً.
خط “المطاحن” لم يعد يحتمل
تعتمد المنشآت الصناعية على طريق حلب في ريف حماة على خط كهرباء “المطاحن”، الذي كان قادراً في وقت سابق على تغطية الأحمال المرتبطة به. لكن توسع عدد المنشآت الموصولة بالخط دفع الشبكة إلى حدودها، وسط انخفاض في التوتر وانقطاعات واضطرابات تؤثر في تشغيل خطوط الإنتاج.
وبالنسبة إلى الصناعي، لا يعني اضطراب الكهرباء مجرد توقف مؤقت؛ فكل انقطاع يمكن أن يربك دورة إنتاج، ويهدد معدات حساسة، ويرفع كلفة التشغيل ويبدد قدرة المنشأة على الالتزام بمواعيد التوريد.
وتزداد المخاوف مع احتمال تخصيص الخط للمطاحن، بما يهدد المنشآت الأخرى بفقدان مصدر التغذية الذي تعتمد عليه حالياً.
الحل على نفقة الصناعي
في مواجهة الأزمة، طرحت غرفة صناعة حماة، بالتنسيق مع مديريتي الصناعة والكهرباء، إنشاء خط كهربائي جديد معفى من التقنين لتأمين تغذية أكثر استقراراً للمنشآت.
لكن المفارقة أن كلفة الحل ستقع على المستفيدين أنفسهم.
ومنحت الغرفة أصحاب المنشآت مهلة أسبوعين لتحديد موقفهم، مع إلزام الراغبين بالمشاركة بتوقيع تعهد لدى الكاتب بالعدل بدفع المستحقات المترتبة على المشروع. أما الرافضون، فعليهم توقيع تعهد بإسقاط حقهم في المطالبة بالربط على الخط الجديد مستقبلاً.
وهكذا انتقلت المشكلة من سؤال: كيف تؤمّن الدولة الكهرباء للصناعة؟ إلى سؤال آخر موجّه للصناعي نفسه: هل تملك المال لتشتري حقك في استمرار العمل؟
خطط توسع فوق شبكة متعبة
تبدو المفارقة أكثر حدة حين توضع الأزمة إلى جانب الخطط المطروحة لتوسيع النشاط الصناعي في محافظة حماة وإحداث مدينة صناعية جديدة. فكيف يمكن الحديث عن استثمارات صناعية جديدة فيما تعجز البنية الحالية عن تأمين كهرباء مستقرة لعشرات المنشآت القائمة؟
هذه الفجوة بين التخطيط والواقع ليست تفصيلاً إدارياً. الصناعة تحتاج قبل المصانع والمناطق الصناعية إلى شبكة طاقة يمكن الوثوق بها، وإلا تحولت مشاريع التوسع إلى عناوين استثمارية بلا مقومات تشغيل حقيقية.
وقد ناقشت غرفة صناعة حماة خلال الفترة الماضية مشكلات المنشآت مع مسؤولي الكهرباء والصناعة، ما يؤكد أن الأزمة ليست طارئة. ومع ذلك، لم يظهر حتى الآن حل حكومي متكامل يخرج الصناعيين من دوامة الخطوط المؤقتة والحلول التي تعتمد على مساهماتهم المباشرة.
تخفيض الفيول لا يعالج أصل المشكلة
خفض وزارة الطاقة سعر طن الفيول الصناعي من 475 إلى 400 دولار خطوة تخفف جانباً من الكلفة، لكنها لا تحل أزمة الكهرباء التي تمثل أحد أثقل الأعباء على الصناعة.
فالصناعي الذي يحصل على وقود أرخص لكنه يواجه شبكة غير مستقرة لا يحصل فعلياً على بيئة إنتاج أكثر تنافسية. والمنتج السوري، الذي يفترض أن ينافس في سوق مفتوحة، لا يستطيع تحمل تكاليف توقف الآلات وإعادة تشغيلها وصيانة المعدات الناتجة عن اضطراب التغذية.
أزمة بنية تحتية قبل أن تكون أزمة تمويل
المشكلة في طريق حماة–حلب تكشف خللاً في ترتيب الأولويات. جرى توسيع قاعدة المنشآت الصناعية وربطها بخط قائم قبل ضمان قدرته على استيعاب الأحمال المتزايدة، ثم ظهر العجز لاحقاً، ليصبح الحل المقترح تحميل المستفيدين كلفته.
وإذا كانت الحكومة الانتقالية تريد فعلاً إنعاش الصناعة، فإن مسؤوليتها لا تبدأ عند افتتاح المدن الصناعية ولا عند الإعلان عن الحوافز، بل عند تأمين الكهرباء والمياه والطرق وسلاسل التوريد التي تجعل الاستثمار قابلاً للحياة.
أما ترك عشرات المنشآت أمام خيار الدفع أو التوقف، فيعني عملياً تحميل الصناعة كلفة قصور البنية التحتية التي لم تُخطط لها الدولة بما يكفي.
وفي نهاية المطاف، قد يتمكن الصناعيون من جمع كلفة الخط الجديد وتشغيله، لكن ذلك لا يلغي السؤال الأكبر: كم خطاً آخر ستحتاج الصناعة السورية إلى تمويله بنفسها قبل أن تصبح الكهرباء خدمة عامة مستقرة، لا مشروعاً إضافياً يدفع ثمنه من يفترض أن تنتج الدولة من أجلهم؟
اقرأ أيضاً: سرقة الكوابل تهدد إنارة حماة.. النواعير والحدائق العامة تحت وطأة التخريب الليلي