تحقيق يكشف حملات رقمية منسقة استهدفت معارضين وناشطات في سوريا خلال 2025 و2026
كشف تحقيق استقصائي أعدته شبكة «أريج» بالشراكة مع منصة «نساء ربحن الحرب» عن حملات رقمية منسقة استهدفت معارضين وصحفيات وناشطات في سوريا خلال عامي 2025 و2026، مشيراً إلى وجود مؤشرات على تنسيق بين حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي ومجموعات مغلقة على تطبيق واتساب، بينها مجموعة يشارك في إدارتها مسؤولون في وزارة الإعلام السورية، وفقاً لما أورده التحقيق.
واعتمد التحقيق على تتبع أكثر من 8 آلاف حساب، وتحليل بيانات التفاعل في أكثر من 40 حساباً وصفحة، ومراجعة محادثات من مجموعات مغلقة، إلى جانب إجراء مقابلات مع أشخاص تعرضوا للاستهداف وخبراء في السلامة الرقمية وأمن المعلومات.
ووثق التحقيق ثلاث حالات أظهر فيها الاستهداف الإلكتروني تداعيات على السمعة الشخصية والعمل المدني والنشاط العام، فيما وصلت إحدى الحالات إلى الاحتجاز وفتح إجراءات قضائية.
حملات إلكترونية منسقة ضد اعتصام في دمشق
رصد التحقيق مؤشرات على تنسيق رقمي استهدف اعتصاماً شهدته ساحة يوسف العظمة في دمشق يوم 17 نيسان/أبريل 2026، بمشاركة مدنيين وناشطين طالبوا بمعالجة تدهور الأوضاع المعيشية وارتفاع الأسعار، وحماية الحريات الفردية واحترام سيادة القانون.

وبحسب التحقيق، أظهرت محادثات من مجموعة مغلقة على واتساب، يشارك في إدارتها مسؤولون في وزارة الإعلام وصحفيون، وجود تحركات لتعبئة الرأي العام ضد الاعتصام قبل موعد انعقاده بيومين.
وأشار التحقيق إلى أن الصحفي علاء الأحمد نشر وسم «#اعتصام_بدنا_نعيش_لا_يمثلني»، قبل تداول دعوات لإعداد بيان باسم «إعلاميو ونشطاء ريف دمشق» يرفض الاعتصام، وتعميمه عبر صفحات وحسابات على منصات التواصل الاجتماعي.
كما رصد تداول نسخ متشابهة من البيان عبر عشرات الصفحات والحسابات، بالتزامن مع منشورات وصفت المشاركين في الاعتصام بأنهم «فلول»، واتهمتهم بالعمالة لإيران.
وفي تحليل لأكثر من 40 حساباً وصفحة نشرت بيانات مضادة للاعتصام يومي 15 و16 نيسان/أبريل، رصد التحقيق حسابات تفتقر إلى مؤشرات الاستخدام الطبيعي، من بينها حسابات لا تحتوي على صور شخصية أو نشاط علني واضح، وأخرى لا يتجاوز عدد أصدقائها خمسة أشخاص.
وخلص التحليل إلى وجود أنماط تفاعل منسق بين حسابات تنشر المحتوى وأخرى تساهم في تضخيم التفاعل معه، بما قد يعطي انطباعاً بوجود تأييد شعبي أوسع من حجم التفاعل الفعلي.
في المقابل، نفى فادي شباط، رئيس دائرة الإعلام الرقمي في مديرية إعلام ريف دمشق، إدارة دائرته حسابات وهمية أو مستعارة، مؤكداً أن توجيه الرأي العام لا يدخل ضمن مهامها الوظيفية، ونفى وجود صلة إدارية أو تنظيمية بين الدائرة والاعتصام.

استهداف ناشطة سورية بعد تحوير منشور على مواقع التواصل
وتناول التحقيق حملة إلكترونية استهدفت هبة عز الدين الحجي، الرئيسة التنفيذية لمنظمة «عدل وتمكين»، على خلفية منشور نشرته في 19 نيسان/أبريل 2025، قالت فيه إنها صادفت فتاة يُشتبه في أنها إحدى المختطفات على خلفية أحداث الساحل السوري، وطالبت السلطات بالتحقيق في القضية.
ووفقاً للتحقيق، أعادت صفحات وحسابات تقديم المنشور على أنه يتضمن ادعاء بوجود «سوق للسبايا» في إدلب، رغم أن مراجعة المنشور الأصلي أظهرت، بحسب معدي التحقيق، أنه ركز على المطالبة بالتحقق من مصير فتاة يُشتبه في أنها من بين المختطفات.
وخلال أقل من 24 ساعة، انتشرت روايات متشابهة بشأن المنشور، بالتزامن مع تداول تسجيلات صوتية منسوبة إلى الحجي، قال التحقيق إنها نُشرت بعد اقتطاع أجزاء منها أو إخراجها من سياقها الأصلي.
ورصد التحقيق أيضاً اتهامات استهدفت الناشطة، من بينها الادعاء بأنها عملت مخبرة لصالح نظام الأسد، من دون تقديم ما يثبت صحة هذا الاتهام.
وقالت الحجي إن منظمة «عدل وتمكين» أُغلقت في كفر يحمول في اليوم التالي للحملة، بتوجيه من إدارة الشؤون السياسية، وتحت مبرر «حمايتها»، وفق روايتها. في المقابل، أورد التحقيق أن الحكومة السورية نفت علمها بهذه التفاصيل أو تعاملها مع حالتها.

حملة إلكترونية سبقت اعتقال الناشطة نور سليمان
وثق التحقيق حالة الناشطة نور سليمان، العضوة في «التحالف السوري الديمقراطي»، التي اعتُقلت في فرع الأمن السياسي بمنطقة المزة في دمشق يوم 26 تموز/يوليو 2025، بعد حملة إلكترونية أعقبت نشرها منشوراً على فيسبوك حذفته لاحقاً وقدمت اعتذاراً عنه.
وبحسب روايتها الواردة في التحقيق، سبقت الاعتقال مداهمة منزلها مرتين واعتقال والدها، قبل أن يُطلب منها مراجعة الفرع الأمني لحذف تسجيل فيديو وثقته خلال المداهمة الأولى.
واحتُجزت سليمان ثلاثة أيام من دون توجيه تهمة رسمية إليها، قبل الإفراج عنها. ونقل التحقيق عن المحامي العام بدمشق، القاضي حسام خطاب، قوله في 31 تموز/يوليو إن الإفراج عنها جاء بسبب عدم قانونية إجراءات استدعائها، موضحاً أن ذلك لا يؤثر في استمرار الدعوى القضائية المرفوعة ضدها بتهمة «التحريض الطائفي وبث الكراهية».
وأشار التحقيق إلى أن وزارة الإعلام أقرت، في ردها على أسئلته، بأن التوقيف الأول جرى من دون مذكرة أو إذن صادر عن الجهة القضائية المختصة. وأضافت الوزارة أن وزير الإعلام السابق حمزة مصطفى تدخل للإفراج عنها بسبب توقيفها من دون مستند قانوني، مشيرة إلى صدور مذكرة توقيف لاحقة بحقها.
كما رصد التحقيق منشوراً نشره حساب موثق باسم «منار حمشو» في 29 تموز/يوليو 2025، تضمن عبارات تحض على تعذيب سليمان وتبرر الانتهاكات داخل المعتقل. وتجاوز عدد التفاعلات مع المنشور 1300 تفاعل حتى 8 آذار/مارس 2026.
وتتبع التحقيق حسابات شاركت في التفاعل مع منشورات استهدفت سليمان، قبل رصد بعضها في حملات أخرى، بينها حملة استهدفت الناشطة فرح يوسف، وهو ما أشار إلى تكرار نشاط بعض الحسابات في أكثر من حالة.
محادثات مفبركة وحملات تشهير تستهدف السمعة الشخصية
وتطرق التحقيق إلى حالة الكاتبة الإعلامية آلاء عامر، المقيمة في إسطنبول، التي قال إنها تعرضت لحملة تضمنت نشر محادثات مفبركة مع شابة تدعى «زينب»، بهدف تصويرها على أنها تشجع على «إغواء عناصر الأمن العام».
وبحسب التحقيق، تقدمت عامر بشكوى رسمية بالتنسيق مع المركز السوري للإعلام وحرية التعبير، قبل أن تعلم من أشخاص داخل الوزارة أن التحريض ضدها يجري عبر مجموعات واتساب رسمية تابعة لوزارة الإعلام.
وذكر التحقيق أن الوزارة لم تقدم رداً واضحاً على القضية خلال مناقشتها في برنامج «وسط البلد»، واكتفت بالقول إن المقربين من السلطة «يخضعون لمساءلة أكبر».
من جهته، أوضح المركز السوري للإعلام وحرية التعبير أن التعامل مع الشكاوى يعتمد على معطيات كل حالة، وأن إحالتها إلى الجهات الرسمية ليست إجراءً ثابتاً، بل تتوقف على رغبة مقدم الشكوى وطبيعة الانتهاك ومدى جدوى التدخل.
استهداف رقمي للمعارضين والنساء في سوريا
يرى علاء غزال، الخبير التقني العامل في مجال السلامة الرقمية وأمن المعلومات، أن الحملات الإلكترونية ليست ظاهرة جديدة، لكنها أصبحت أكثر احترافاً من حيث التخطيط وإدارة المحتوى وتوزيع الأدوار وقياس التأثير.
وبحسب التحقيق، لم يقتصر استهداف النساء في الحالات الثلاث على مواقفهن السياسية أو منشوراتهن على مواقع التواصل الاجتماعي، بل امتد إلى التشهير الشخصي وربط نشاطهن العام بحياتهن الخاصة، فضلاً عن استخدام اتهامات طائفية وسياسية.
وأظهرت الشهادات الواردة في التحقيق أن تداعيات الحملات الرقمية تجاوزت الفضاء الإلكتروني، لتطال السمعة الشخصية والعمل المدني، وفي بعض الحالات الإجراءات الأمنية والقضائية.
وخلص التحقيق إلى وجود مؤشرات على شبكات حسابات مترابطة ساهمت في تضخيم حملات إلكترونية استهدفت معارضين وناشطات في سوريا خلال عامي 2025 و2026، مع رصد حسابات تكرر ظهورها في أكثر من حملة، ما يسلط الضوء على مخاطر التنسيق الرقمي والتشهير الإلكتروني وتأثيرهما في حرية التعبير والعمل المدني.
إقرأ أيضاً: دراسة ترصد تصاعد خطاب الكراهية والتحريض ضد النساء في المنصات الرقمية السورية
إقرأ أيضاً: خطاب الكراهية على منصات التواصل في سوريا: كيف تُغذي غرف الصدى الانقسام المجتمعي؟