الصناعة السورية بالأرقام: 80 ألف منشأة لا تخفي انهيار الإنتاج وأزمة الكهرباء والتمويل
تكشف بيانات تقرير “أكسفورد للأعمال – سوريا 2026” أن تعافي الصناعة السورية ما زال يصطدم بفجوة واسعة بين عدد المنشآت المسجلة والقدرة الفعلية على الإنتاج. فآلاف المصانع متوقفة أو تعمل جزئياً، فيما يواصل نقص الكهرباء وشح التمويل وتقادم الآلات رفع تكاليف التشغيل، لتبقى التراخيص الاستثمارية مؤشراً على نوايا التعافي أكثر منها دليلاً على استعادة القاعدة الصناعية.
وبحسب تقديرات برنامج الأمم المتحدة الإنمائي الواردة في التقرير، تراجع إنتاج الصناعات التحويلية الخاصة من 428.4 مليار ليرة سورية عام 2010 إلى 261 مليار ليرة عام 2024، وفق القيم التي أوردها التقرير. ويعكس هذا الانكماش حجم الضرر الذي أصاب القطاع خلال سنوات الحرب، بينما لا تزال متطلبات إعادة تشغيل المنشآت تتجاوز قدرة كثير من المستثمرين.
آلاف المنشآت خارج الإنتاج
في قطاع النسيج، أظهرت بيانات حكومية نُشرت في تموز 2026 وجود أكثر من 24 ألف منشأة عام 2024، لم يكن يعمل منها سوى 56.8%، فيما بقي أكثر من عشرة آلاف منشأة خارج الخدمة. وتواجه المنشآت العاملة نقص المواد الأولية، وارتفاع تكاليف الطاقة، وتقادم الآلات، وضعف تجهيز الأقمشة، إلى جانب منافسة المنتجات المستوردة.
وعلى مستوى القطاع الصناعي عموماً، يقدّر التقرير عدد المنشآت بنحو 80 ألفاً عام 2025، مقابل 130 ألفاً قبل الحرب، مع التنبيه إلى أن الأرقام قد تشمل الورش والمنشآت الحرفية، وأن تصنيف أوضاع التشغيل ليس موحداً.
التراخيص تتقدم والكهرباء تتراجع
سُجّل ترخيص 2225 مشروعاً صناعياً خلال الأشهر التسعة الأولى من عام 2025، لكن 218 مشروعاً فقط دخلت مرحلة الإنتاج. وهذه الفجوة تطرح سؤالاً عن جدوى الاكتفاء بإحصاء التراخيص، ما دامت تحويلات الاستثمار إلى إنتاج فعلي تصطدم بعقبات أساسية.
وتتقدم الكهرباء هذه العقبات؛ إذ بلغت القدرة التوليدية نحو 1.6 غيغاواط في منتصف 2025، مقارنة بنحو 9.5 غيغاواط قبل عام 2011. وتضطر مصانع إلى الاعتماد على المولدات والطاقة الشمسية وجدولة العمل وفق ساعات التغذية، ما يرفع الكلفة ويضعف قدرتها على المنافسة.
أما التمويل، فيظل محدوداً أمام احتياجات شراء المواد الأولية وتجديد المعدات وتوسيع الإنتاج، مع اعتماد منشآت كثيرة على أموالها الذاتية في ظل ضعف القروض الصناعية طويلة الأجل.
مدن صناعية ومشروعات معلّقة
سجّلت مدينة الشيخ نجار الصناعية 960 منشأة عاملة بالإنتاج عام 2025، مقابل 1357 منشأة قيد الإنشاء. وفي عدرا، بلغ عدد المصانع العاملة 1003 مصانع، فيما وصل عدد المصانع قيد الإنشاء إلى 2437، وفق بيانات التقرير.
وتوضح هذه الأرقام أن البناء والترخيص لا يكفيان لإحياء الصناعة ما لم تتوافر الطاقة والتمويل والخدمات والمواد الأولية. كما أن استمرار الاعتماد على استيراد المكونات الدوائية، وضعف التخزين المبرد والربط بين الزراعة والصناعة، يحدّان من قدرة قطاعات واعدة على توسيع الإنتاج المحلي.
ويطرح برنامج “يونيدو” للفترة 2026–2030 ميزانية تبلغ 150 مليون دولار لدعم المناطق الصناعية والمهارات والجودة والمنشآت الصغيرة والمتوسطة، لكن التقرير ينبه إلى أن الميزانية لا تعني أن كامل المبلغ مؤمّن أو صُرف فعلياً.
في المحصلة، لا تكمن المعضلة السورية في نقص الخطط والتراخيص وحدها، بل في القدرة على تنفيذها ومحاسبة الجهات المسؤولة عن تعثرها. ومن دون معالجة اختناقات الكهرباء والتمويل وتحديث المعدات، ستبقى أرقام المشروعات المعلنة أكبر من أثرها في المصانع وفرص العمل والإنتاج الفعلي.
اقرأ أيضاً: اقتصاديون يحذرون من ضغوط الاستيراد والاستثمارات الأجنبية على الصناعة السورية