خبير اقتصادي: سوريا تعاني عجزاً حاداً في المازوت يهدد بموجة تضخمية
كشف الخبير الاقتصادي عبد الرحمن محمد أن أزمة المازوت الحالية في سوريا تعود جذورها إلى نقص المعروض واختلالات واضحة في منظومتي التوزيع والتمويل، موضحاً أن الإنتاج المحلي لا يلبي سوى نحو 40 بالمئة من الاحتياجات اليومية للبلاد، مما يرفع الاعتماد على الاستيراد إلى قرابة 60 بالمئة.
أرقام العجز وحجم الفجوة اليومية
وفي تصريحات صحفية لصحيفة “الوطن”، بين محمد أن إجمالي حاجة السوق السورية من مادة المازوت يبلغ نحو 7.72 ملايين ليتر يومياً، في حين لا يتجاوز حجم الإنتاج المحلي حاجز 3.09 ملايين ليتر. وتترك هذه الأرقام فجوة واسعة تُقدر بنحو 4.63 ملايين ليتر يومياً، تضطر الدولة إلى تأمينها عبر الاستيراد الخارجي.
ولفت الخبير إلى أن وصول شحنات المازوت مؤخراً إلى مصب بانياس لم ينعكس بالسرعة أو القدر الكافي على توافر المادة في الأسواق المحلية؛ حيث تستمر معاناة النقص الحاد في عدد من المحافظات، وتحديداً في حلب واللاذقية، مبيناً أن بعض السائقين يضطرون لانتظار نحو 10 ساعات كاملة للحصول على حصة ضئيلة لا تتجاوز 40 ليتراً.
مخاوف من موجة تضخمية تلتهم الأسواق
حذر محمد من تداعيات اقتصادية خطيرة تتمثل في انتقال موجة غلاء تكاليف المازوت إلى قطاعات النقل، والغذاء، والخدمات الأساسية، مما ينذر بموجة تضخمية واسعة تتجاوز التأثير المباشر لزيادة أسعار الوقود.
واستند في ذلك إلى تقديرات اقتصادية تشير إلى أن ارتفاع أسعار الديزل بنسبة 10 بالمئة قد يضيف ما بين نقطتين وأربع نقاط مئوية إلى معدلات التضخم في الاقتصادات الهشة، معتبراً أن الزيادة الكبيرة في سعر المازوت بنسبة 40 بالمئة خلال شهر أيلول الماضي – والتي شهدت صعود السعر من 125 إلى 175 ليرة – تضاعف الضغوط التضخمية بشكل ملحوظ.
وأوضح الخبير الاقتصادي أن الارتفاع في تكلفة الوقود ينتقل بشكل سريع ومباشر إلى أجور النقل والشحن، ومن ثم إلى أسعار المنتجات الطازجة والمواد الغذائية، فضلاً عن تأثيره المباشر على الخدمات الحيوية المرتبطة ارتباطاً وثيقاً بالمازوت، مثل نقل مياه الشرب، وتشغيل الأفران، ومعاصر الزيتون.
خسائر الاستيراد وحلول مقترحة للخروج من الأزمة
كشف محمد عن مفارقة اقتصادية تمثلت في أن تكلفة استيراد ليتر المازوت الواحد تصل إلى نحو 206 ليرات، في حين يتم بيعه محلياً بسعر 175 ليرة، مما يعني وجود خسارة وفارق مالي يبلغ نحو 31 ليرة لكل ليتر مستورد.
ولمعالجة هذا الاختلال، اقترح الخبير الاقتصادي اعتماد آلية دقيقة لتتبع شحنات المازوت والكميات الموزعة يومياً، إلى جانب تثبيت سعر صرف خاص لعمليات استيراد الديزل للسيطرة على تكاليف الاستيراد والتوزيع. كما شدد على ضرورة تسريع استئناف العمل بمصفاة بانياس لرفع طاقة التكرير محلياً وتقليص الاعتماد على الاستيراد في ظل الفجوة الكبيرة بين الطلب والإنتاج.
مبررات وزارة الطاقة وتداعيات الأزمة ميدانياً
يأتي ذلك في وقت تعاني فيه عدة محافظات من شح حاد في التوريدات؛ حيث أعلنت وزارة الطاقة يوم الأحد أن الأزمة الأخيرة ناجمة عن اعتداءات استهدفت خطوط نقل المشتقات النفطية بين بانياس وحمص، مما أدى إلى توقف وصول الإمدادات إلى مستودعات حمص وزيادة الضغط على نقاط التحميل في بانياس.
وفي السياق الميداني، أفادت الوزارة بأن الشركة السورية للبترول تعمل على نقل 250 صهريجاً محملاً بالمازوت اتجاه حلب وإدلب، لافتة إلى وجود ثلاث ناقلات نفط راسية في البحر وجاهزة للتفريغ، بجانب شحنات أخرى متعاقد عليها تنتظر وصول تباعاً.
وعلى الأرض، شهدت محافظة حلب طوابير طويلة أمام محطات الوقود وتراجعاً في عدد “السرافيس” العاملة على الخطوط بنحو النصف، بينما تراوح سعر ليتر المازوت في السوق السوداء (غير النظامية) بين 250 و280 ليرة سورية جديدة. وفي اللاذقية، ألقى شح الإمدادات بظلاله السلبية على حركة النقل والقطاع الزراعي، وسط مخاوف متزايدة من تأثير استمرار النقص على تأمين محروقات التدفئة مع اقتراب فصل الشتاء.
يذكر أن وزارة الطاقة كانت قد أقرت في أيلول الماضي تعديلات على أسعار المشتقات النفطية، رُفع فيها سعر المازوت القياسي من 125 إلى 175 ليرة سورية جديدة لليتر الواحد، ليصبح معتمداً على نظام ثلاث شرائح تشمل: 115 ليرة للمازوت المدعوم، و150 ليرة للمازوت الخدمي والإنتاجي، و175 ليرة للمازوت القياسي.
اقرأ أيضاً:الحد الأدنى للأجور في سوريا.. 12,560 ليرة لا تكفي لإعالة أسرة في اقتصاد يبتلع الرواتب