كهرباء الحسكة لا تتجاوز 60 ميغاواط.. مدينة تحتاج 500 وشبكة ما تزال ناقصة التأهيل
لا تحتاج أزمة الكهرباء في مدينة الحسكة إلى كثير من الشرح؛ يكفي النظر إلى الفارق بين ما يصل إلى الشبكة وما تحتاجه المدينة. فالتغذية الحالية لا تتجاوز 50 إلى 60 ميغاواط، مقابل حاجة تقدّر بنحو 500 ميغاواط، فيما لا تزال أجزاء واسعة من الشبكة خارج الخدمة أو قيد التأهيل، لتبقى ساعات الوصل في الخطوط التي عادت إليها التغذية عند حدود خمس إلى ست ساعات يومياً.
ومع توقف مولدات “الأمبيرات” نتيجة انقطاع المازوت الخدمي، تراجعت الخيارات المتاحة أمام السكان إلى شبكة عامة محدودة القدرة، في وقت تحولت فيه الكهرباء من خدمة يفترض انتظامها إلى مورد يجري حسابه ساعة بساعة. وكانت أزمة المازوت قد أدت بالفعل إلى توقف واسع للمولدات الخاصة في الحسكة، قبل أن يدخل انقطاع المازوت الخدمي مرحلة أشمل خلال آب الماضي.
شبكة متضررة.. والتأهيل لا يوازي حجم الحاجة
بحسب مدير التشغيل والاستثمار في شركة كهرباء الحسكة، صلاح حسن، تجاوزت نسبة الأضرار الناتجة عن السرقات والتعديات والتخريب 40% من الشبكة في الحسكة والقامشلي، بينما بلغت نسبة تأهيل شبكة مدينة الحسكة نحو 65%، مقابل 85% في القامشلي. وتعمل الورشات على مدار الساعة لمعالجة الأعطال واستكمال إعادة تأهيل الخطوط ومراكز التحويل.
لكن هذه الأرقام تكشف أيضاً حجم الفجوة بين ما أُنجز وما يحتاجه السكان فعلياً. فإعادة جزء من الشبكة إلى الخدمة لا تعني انتهاء المشكلة، طالما بقيت مناطق كاملة تنتظر المحولات والخطوط، وطالما ظل الوارد الكهربائي أقل بكثير من الطلب.
وفي هذا السياق، أمنت الشركة 14 محولة كهربائية، ركبت ثلاث منها في القامشلي و11 في الحسكة، إلا أن المدينة لا تزال بحاجة إلى نحو 50 محولة إضافية، بحسب الشركة، لتخفيف الضغط وإعادة التغذية إلى مناطق أخرى.
المواطن يدفع ثمن الفجوة
بالنسبة إلى السكان، لا تظهر الأزمة في أرقام الميغاواط ونسب التأهيل فقط، بل في تفاصيل الحياة اليومية. فضعف التغذية يعرقل ضخ المياه، وحفظ الأغذية، وتشغيل الأجهزة المنزلية، ويجعل أي عطل طارئ قادراً على تحويل ساعات الوصل المحدودة أصلاً إلى انقطاع أطول.
ومع غياب الأمبيرات، يصبح الاعتماد على الشبكة العامة شبه كامل بالنسبة إلى شريحة واسعة من السكان، بينما لا تستطيع الأسر جميعها تحمل كلفة منظومات الطاقة الشمسية أو البدائل الأخرى. وكانت الطاقة الشمسية قد تحولت خلال العامين الماضيين من خيار إضافي إلى حاجة أساسية لدى كثير من سكان الحسكة، في ظل ضعف الكهرباء وارتفاع كلفة المولدات.
وهكذا تنتقل كلفة قصور الخدمة تدريجياً إلى المواطن: بطاريات، ألواح شمسية، مولدات صغيرة، وصيانة متكررة، وكلها نفقات إضافية لتأمين خدمة أساسية يفترض أن توفرها الشبكة.
زيادة الوارد لا تكفي وحدها
تعمل الجهات المعنية على تأهيل خط سد تشرين–مبروكة، وسط توقعات بزيادة الطاقة الواصلة إلى منطقة الجزيرة بنحو 100 ميغاواط. لكن حتى في حال تحقق هذه الزيادة، ستبقى الفجوة كبيرة قياساً إلى حاجة مدينة الحسكة المقدرة بـ500 ميغاواط، ما يعني أن المشكلة لا تختصر في مصدر الطاقة، بل تمتد إلى قدرة الشبكة الداخلية على نقلها وتوزيعها.
وتشير أعمال تركيب محولات جديدة خلال أيلول إلى استمرار معالجة الأضرار؛ إذ ركبت الشركة ست محولات جديدة في أحياء غويران والمفتي والصالحية والعزيزية، كما أعادت تأهيل مراكز تحويل خرجت سابقاً عن الخدمة.
لكن استمرار الحاجة إلى عشرات المحولات، وبقاء نسبة من الشبكة خارج الخدمة، يعني أن سكان الحسكة ما زالوا أمام مسار طويل قبل الوصول إلى تغذية مستقرة. فالمشكلة لم تعد مجرد ساعات وصل قليلة، بل شبكة تحتاج إلى إعادة بناء قدرتها، ووارد كهربائي لا يزال دون مستوى الطلب، وخطط تأهيل لم تتحول نتائجها بعد إلى خدمة منتظمة في جميع الأحياء.
وفي ظل ذلك، يبقى المواطن الطرف الذي يتحمل كلفة الانتظار والبدائل، فيما لا تزال الكهرباء في الحسكة خدمة مؤجلة الاستقرار، رغم مرور سنوات على تفاقم أزمتها وبدء أعمال التأهيل الأخيرة.
اقرأ أيضاً: الحسكة: تراجع حركة الأسواق بأكثر من 70% وسط أزمة اقتصادية وارتفاع أسعار المحروقات