استيراد الحمضيات يهدد مزارعي الساحل السوري.. محصول على الأشجار وكلفة دون جدوى
يدخل مزارعو الحمضيات في اللاذقية وطرطوس موسم القطاف وسط معادلة تزداد اختلالاً: محصول محلي واسع، وأسواق تستقبل كميات متزايدة من الحمضيات المستوردة، وأسعار بيع لا توازي كلفة الإنتاج. وبينما تتراكم الثمار على الأشجار في بعض البساتين، تتراكم على المزارعين فواتير السماد والمبيدات والري والكهرباء والمحروقات والعمالة، من دون أن تبدو لدى الجهات الحكومية سياسة واضحة لحماية الموسم أو فتح أسواق تصدير قادرة على استيعابه.
وتغطي الحمضيات نحو 31 ألف هكتار في اللاذقية، تضم قرابة 10.2 مليون شجرة، إضافة إلى نحو 9200 هكتار في طرطوس وأكثر من 3.2 مليون شجرة مثمرة. وفي المقابل، ارتفعت واردات مصر من البرتقال إلى سوريا خلال موسم 2025-2026 إلى أكثر من 115 ألف طن، بقيمة تجاوزت 68 مليون دولار، وفق بيانات تجارية حديثة، بزيادة كبيرة عن الموسم السابق.
سوق محلية تستقبل المستورد
بالنسبة إلى المزارعين، لا تبدو المشكلة مجرد منافسة سعرية عابرة، بل خللاً في توقيت الاستيراد وإدارة السوق. يقول المزارع عامر من اللاذقية إن الحمضيات المستوردة وصلت إلى الأسواق في ذروة الموسم المحلي، بينما بقي جزء من إنتاج المزارعين على الأشجار بانتظار مشترٍ.
ويملك عامر نحو 10 أطنان من الحامض الجاهز للقطاف، لكنه يواجه صعوبة في تسويقه، معتبراً أن الأولوية كان يفترض أن تكون لتصريف الإنتاج المحلي وفتح منافذ تصدير، لا زيادة المعروض المستورد في موسم الذروة.
وتظهر البيانات التجارية حجم المنافسة الخارجية بصورة أوضح؛ فمصر وحدها صدّرت إلى سوريا خلال 2025 ما قيمته 106.24 مليون دولار من الفواكه والمكسرات والحمضيات، بينها منتجات حمضيات بقيمة تقارب 26 مليون دولار، قبل الزيادة المسجلة في موسم 2025-2026.
ولا يعني ذلك أن كل الواردات تبقى للاستهلاك السوري، إذ تشير بيانات حديثة إلى أن جزءاً من البرتقال المصري المتجه إلى سوريا قد يعاد تصديره إلى أسواق إقليمية، لكن ارتفاع حجم التدفقات يظل مؤشراً مهماً على اتساع حضور المنتج المستورد في السوق السورية.
حين لا يغطي سعر البرتقال كلفة زراعته
المشكلة الثانية تبدأ من داخل البستان. يقدّر مزارعون في طرطوس سعر بيع الكيلوغرام حالياً بنحو 2500 إلى 5000 ليرة سورية، في حين يرون أن السعر الذي يغطي التكاليف ويترك هامشاً مقبولاً يجب أن يكون أعلى بكثير.
ولا تتوقف الكلفة عند الأسمدة والمبيدات. فالمزارعون يواجهون ارتفاعاً في أسعار السماد، ومنها أكياس تصل كلفتها إلى نحو 600 ألف ليرة، إضافة إلى اليوريا والأسمدة العضوية والشتوية، فضلاً عن أجور العمال والقطاف والنقل.
وتزداد الكلفة في البساتين التي تفتقر إلى شبكات ري مستقرة، حيث يضطر المزارعون إلى الاعتماد على الآبار والمضخات، بما يعنيه ذلك من نفقات إضافية على الكهرباء أو الوقود. وفي أيار الماضي، كانت أعمال تأهيل قناة “MC1” المرتبطة بسد مشقيتا مستمرة في ريف اللاذقية، في مشروع يعكس حجم الحاجة إلى إعادة تأهيل البنية المائية التي يعتمد عليها قطاع الحمضيات.
غياب التسويق يحوّل الوفرة إلى خسارة
المفارقة أن سوريا ليست بلداً يفتقر إلى خبرة تصدير الحمضيات. فقد وصلت صادرات الحمضيات في سنوات سابقة إلى عشرات آلاف الأطنان، ووجد المنتج السوري أسواقاً في العراق والأردن والخليج وروسيا.
لكن اتساع الإنتاج وحده لا يصنع سوقاً، كما أن المزارع لا يستطيع فتح منفذ تصدير بمفرده. هذه مهمة تتطلب سياسة حكومية واضحة في توقيت الاستيراد، والتصدير، والمواصفات، والنقل، والأسواق المستهدفة، وآليات التسويق.
وهنا تبدو الفجوة الحكومية أكثر وضوحاً: فالمزارع يتحمل كلفة الإنتاج كاملة، بينما تظل أدوات التدخل في السوق محدودة أو غير واضحة، ولا يحصل على ضمانة بأن محصوله سيجد مشترياً بسعر يرد له ما أنفقه.
خسارة تتجاوز المزارع
لا تنتهي آثار الأزمة عند صاحب البستان. الحمضيات تشكل مصدر دخل لآلاف الأسر في الساحل، وتخلق سلسلة عمل تمتد من القطاف والضمّان إلى النقل والفرز والتوضيب والأسواق.
وعندما يعجز المزارع عن بيع محصوله، لا يخسر قيمة الثمار فقط، بل تتراجع دورة اقتصادية كاملة تعتمد على الموسم. وقد يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مكلف: بيع المحصول بأقل من كلفته، أو ترك الثمار على الأشجار وتحمل خسارتها.
لذلك لا تبدو أزمة الحمضيات مجرد موسم ضعيف التسويق، بل نتيجة مباشرة لفجوة بين كلفة الإنتاج والسياسة التجارية وقدرة الدولة على إدارة السوق. وفي بلد يحتاج إلى حماية الإنتاج الزراعي وتحريك موارده المحلية، يصبح ترك المزارع يواجه المستورد والكلفة المرتفعة وحده مؤشراً على خلل أعمق في إدارة القطاع.
فالحمضيات السورية لا تحتاج إلى موسم استثنائي كي تكون مربحة؛ تحتاج إلى سوق لا تعمل ضد المنتج المحلي، وتسويق يفتح أبواب التصدير، وبنية ري وخدمات تخفض الكلفة، وسياسة حكومية تتعامل مع الموسم باعتباره قطاعاً اقتصادياً لا محصولاً يُترك لمصير العرض والطلب.
اقرأ ايضاً: الحمضيات في طرطوس بلا سوق مضمون.. كلفة الإنتاج ترتفع والحكومة تؤجل الحل