حملة الذهبي: مشروع عابر للحدود ينازع الدولة على تعريف المجتمع
أثارت «حملة الذهبي» جدلاً واسعاً في الشارع السوري عقب نشاطها الأخير بدمشق، مستعيدةً النقاش حول حدود الفضاء العام وتأثير المبادرات الدعوية على الهوية الاجتماعية والتنوع الثقافي في البلاد.
جاء ذلك عقب ظهور مجموعة من النساء المنقبات والرجال في ساحة الأمويين، السبت 22 آب 2026، تجاوز مسألة نشاط ديني للدعوة إلى الحجاب، وكان محاولة الدخول في صراع اجتماعي يكسر هوية سوريا الوطنية منذ الاستقلال.
بدأ الحدث بتوزيع ما تسميه “حملة الذهبي” اللباس الشرعي في حديقة تشرين، قبل الانتقال إلى الساحة ورفع عبارات تربط النقاب بـ”أصل دمشق” وهويتها، فتحول توزيع الملابس إلى إعلان اجتماعي وسياسي في أكثر ساحات العاصمة رمزية.
لا يتعلق السؤال بحق امرأة في ارتداء النقاب؛ فهذا جزء من حريتها الشخصية التي لا يجوز للدولة أو المجتمع مصادرتها، بل بالجهة التي تسعى إلى تحويل نموذج محدد من التدين واللباس إلى معيار لهوية المجتمع، وبحكومة تتراجع عن تنظيم نشاط داخل مركز تجاري، ثم تلتزم الصمت عندما ينتقل النشاط نفسه إلى المجال العام.
تكشف حملة الذهبي مفارقة تواجه الدولة الوطنية السورية إن وجدت، فسلطة دمشق تحاول السيطرة على مؤسسات الدولة، بينما تترك قوى دعوية عابرة للحدود تشاركها في تحديد معنى الهوية السورية وشكل المجال العام وحدود السلوك المقبول اجتماعيا.
زي موحد باسم الهوية المحلية
تستخدم الحملة تعبير “الحجاب الشرعي”، لكن ما توزعه لا يقتصر على غطاء الرأس، بل يتكون من عباءة وخمار ونقاب وقفازات وجوارب، فتقدم تصورا متكاملا لجسد المرأة وحركتها وظهورها، ثم تصفه بأنه “اللباس الأصلي” لأهل الشام.
تكمن المفارقة في أن النموذج المعروض لا ينطلق من تعدد الأزياء الدمشقية أو السورية، ولا من التطور التاريخي لأنماط اللباس في المدن والأرياف؛ إنه نموذج ديني موحد يستطيع الانتقال بالشكل نفسه من إدلب إلى دمشق ومن حلب إلى دير الزور، لأن وظيفته ليست التعبير عن ثقافة محلية، بل تجاوز الاختلافات الثقافية وإخضاعها لمعيار واحد.
يصبح الدين في هذا الخطاب منفصلا عن المجتمعات التي عاش داخلها تاريخيا، فلا تعود العادات الدمشقية المتعددة دليلا على قدرة الإسلام على التعايش مع بيئات مختلفة، بل تظهر بوصفها انحرافا ينبغي تصحيحه.
ما يُقدَّم على أنه عودة إلى الأصل هو عملية استبدال، وإحلال نموذج دعوي معاصر محل ثقافة محلية أكثر تنوعا، ثم إضفاء شرعية تاريخية عليه.
من الدعوة الفردية إلى هندسة المجتمع
تعلن الحملة أن هدفها توزيع مليون طقم، وتستخدم الملابس المجانية والمسابقات والهدايا والمعاهد والناشطين ومنصات التواصل لبناء حضورها.
لا يمكن اختزال الحملة في موعظة دينية أو مبادرة خيرية، فهي شبكة تسعى إلى تغيير السلوك الاجتماعي عبر الجمع بين المنتج المجاني والخطاب الديني والصورة الرقمية والتنظيم المحلي.
تقول الحملة إنها لا تجبر النساء على شيء، لكن الإكراه الاجتماعي لا يبدأ دائما بقرار حكومي أو قوة جسدية، ففي كثير من الأحيان يصبح زي واحد مرادفا للعفة والأصالة، بينما تُدفع المرأة التي لا ترتديه إلى موقع أخلاقي أدنى.
حين يُربط النقاب بـ”أمهات المؤمنين” و”أصل دمشق”، لا يبقى اللباس اختيارا فرديا فحسب، بل يتحول إلى أداة لتصنيف النساء بين من تمثل الهوية ومن تبتعد عنها.
انتقال الحملة من حديقة تشرين إلى ساحة الأمويين عزز هذا المعنى، ففي الحديقة يمكن تقديم النشاط بوصفه توزيعا طوعيا للملابس، أما رفعه أمام السيف الدمشقي فيحوله إلى مطالبة رمزية بالمدينة وهويتها.
اختيار المكان، حتى إن لم يكن مخططا بهذه الدقة، نقل الرسالة من النساء المشاركات إلى السوريين جميعا.
من يحدد ما هو سوري؟
يقود الحملة هاني دهب، وهو مصري الجنسية يُعرف باسم “الشيخ الذهبي”، وتقول الحملة إن فروعها يديرها سوريون محليون وإن دوره يقتصر على التنسيق والدعم.
لا تشكل جنسيته سببا لنزع حقه في التعبير أو ممارسة نشاط قانوني، لكنها تصبح ذات دلالة عندما يقدم مشروعه لباسا موحدا بوصفه الأصل التاريخي للمرأة السورية.
قوة الحملة تأتي من طبيعة الشبكات الدعوية المعاصرة التي تتجاوز الحدود الوطنية، فتنتقل الأفكار والصور والأموال والملابس والخطاب بين البلدان، ثم يعاد توطينها عبر ناشطين محليين، ويصبح المشروع عابرا للحدود في مرجعيته، ومحليا في أدوات تنفيذه.
يفترض بالدولة الوطنية أن تكون قادرة على ايقاف هذه الشبكات ضمن القانون، وتسمح لها باحتكار تعريف الهوية.
غير أن سلطة دمشق تظهر هنا وكأنها تدافع عن خصوصية المجتمع بعبارات غير محسومة، ثم تتراجع عن تحويل هذا الدفاع إلى سياسة عامة واضحة.
حكومة تمنع في المول وتصمت في الساحة
بدأ الخلاف بعد إعلان الحملة موافقة إدارة “شام سيتي سنتر” على فعالية بعنوان “وعادت دمشق”، تتضمن توزيع الملابس والهدايا وتنظيم فقرات دعوية وترفيهية.
وأوضحت الحملة أن معاون وزير الأوقاف سامر بيرقدار أوقف النشاط لأن بعض الملابس “دخيلة على سوريا” وليست من ملابس أهل الشام.
نفت الوزارة هذه الرواية، وقال بيرقدار، في تصريح نقلته منصة تأكد، إن سبب الرفض هو عدم تقديم المنظمين خطة دعوية واضحة، وإن الأنشطة في الأماكن العامة يجب أن تخضع لإشراف دعاة معتمدين.
وردت الحملة بنشر صور قالت إنها للخطة المقدمة، من دون أن تظهر وثيقة تحمل رقم استلام رسميا يحسم الخلاف.
بعد أيام، ظهرت الحملة في حديقة تشرين وساحة الأمويين. ولم يصدر، حتى 24 آب، توضيح معلن من محافظة دمشق أو وزارة الداخلية بشأن الترخيص أو الجهة التي سمحت بالتجمع.
تتجسد هنا عدم الوضوح في الموقف الحكومي؛ منعت الأوقاف نشاطا داخل مكان خاص بحجة الضوابط، لكنها لم تشرح كيف انتقل النشاط إلى الفضاء العام من دون إعلان تلك الضوابط أو تطبيقها.
يعكس هذا الغموض رغبة الحكومة في تجنب صدام مع بيئة دينية محافظة، بالتوازي مع حرصها على عدم الظهور كسلطة تتبنى فرض النقاب.
بهذه الموازنة لا تحمي الدولة الحريات ولا تفرض سلطة المؤسسة؛ بل تترك الصراع الاجتماعي ينتقل إلى الشارع، حيث يحدد الطرف الأكثر تنظيما وامتلاكا للمنابر حدود النقاش.
النقاب أداة للفرز الاجتماعي
لا تبدأ المشكلة التي تنتجها حملة الذهبي من النقاب ذاته، بل من تحويله إلى معيار لقياس الفضيلة والانتماء.
عندما تصف الحملة طقما واحدا بأنه “اللباس الشرعي” و”الأصل”، فإنها لا تضيف خيارا إلى مجتمع متنوع، بل تعيد ترتيب النساء على سلّم أخلاقي يجعل المنقبة ممثلة للدين والهوية، ويضع سواها في مرتبة أدنى من الاحتشام والانتماء.
يتحول جسد المرأة إلى ساحة لإثبات هوية الجماعة، ويغدو انتشار النقاب مؤشرا على نجاح مشروع التغيير الاجتماعي.
لا يحتاج هذا المشروع إلى قانون يفرض اللباس؛ يكفي بناء بيئة تربط نموذجا واحدا بالعفة، وتحمّل النساء مسؤولية إظهار تدين المجتمع، حتى يتحول الضغط الأخلاقي إلى قيد اجتماعي أشد حضورا من الإكراه المباشر.
تقع على الدولة مسؤولية منع هذا الفرز، لا عبر التدخل في ملابس النساء، بل عبر تأكيد أن المواطنة والمكانة الأخلاقية لا تحددهما هيئة اللباس، ويبدأ بإخضاع الحملة إعلان وضعها القانوني، وكشف مصادر تمويلها، وتحديد الجهات التي تسمح لها بدخول الجامعات والمراكز التجارية والساحات العامة.
حياد الدولة لا يعني الوقوف على مسافة واحدة بين مجتمع متعدد ومشروع يسعى إلى تنميطه، بل حماية هذا التعدد من أن تتحول قوة التنظيم والتمويل والخطاب الديني إلى سلطة اجتماعية غير منتخبة.
الدولة التي لا تعرّف حدودها الاجتماعية
تكشف حملة الذهبي ضعفا يتجاوز النقاب، أن السلطة التي تسيطر على المؤسسات العسكرية والإدارية، وتعجز عن تنظيم الفاعلين الذين يعيدون تشكيل المجتمع، تظل سيادتها ناقصة.
السيادة لا تقاس فقط بالحدود والحواجز، بل بمن يضع قواعد العمل داخل الجامعة والحديقة والمركز التجاري والساحة العامة.
إذا استمر الموقف الرمادي، ستتوسع الحملات الدعوية ويقابلها استقطاب اجتماعي مضاد، بينما تبقى الحكومة وسيطا مترددا بين الطرفين، وإذا لجأت إلى المنع الأمني وحده، ستمنح الحملة رواية اضطهاد تعزز انتشارها، أما المسار الأقل كلفة فيبدأ بقواعد شفافة ومتساوية تحمي الحرية الفردية وتمنع احتكار الهوية.
لا تختبر حملة الذهبي موقف السوريين من النقاب وحده، بل تختبر قدرة دولتهم على القول إن المجتمع لا يُعاد تشكيله بواسطة حملة خاصة، ولا بقرار أمني، وإنما عبر مواطنين أحرار ومؤسسات مسؤولة.
عندما تعجز الحكومة عن قول ذلك بوضوح، تتحول ساحة الأمويين من مركز للعاصمة إلى مساحة مفتوحة للتنافس على تعريف سوريا نفسها.
حملة الذهبي صراع الهوية والسلطة الاجتماعية
المصدر: موقع سوريا الغد
إقرأ أيضاً: الأوقاف تمنع فعالية حملة الذهبي للحجاب بدمشق بداعي الملابس الدخيلة
إقرأ أيضاً: الشيخ الذهبي ينتقد حفل زفاف ابنة شقيق أحمد الشرع ثم يحذف منشوره


