مفاوضات دمشق و”قسد”.. التعليم والجيش والمناصب تختبر حدود اتفاق 29 كانون الثاني
تدخل المفاوضات بين الحكومة السورية و”قسد” مرحلة مختلفة، بعدما انتقل النقاش من العناوين العامة لاتفاق 29 كانون الثاني إلى التفاصيل التي يصعب تركها معلقة: من يعلّم أبناء المنطقة؟ من يقود التشكيلات العسكرية؟ ومن سيحصل على موقع داخل مؤسسات الدولة؟
وفي دمشق، بحث قائد “قسد” مظلوم عبدي والرئيسة المشتركة لدائرة العلاقات الخارجية في “الإدارة الذاتية” إلهام أحمد مع مسؤولين سوريين هذه الملفات، في اجتماع بقيت تفاصيله طيّ الكتمان، بينما تتحدث التسريبات عن رغبة الطرفين في استكمال إجراءات الدمج قبل نهاية آب.
التعليم.. أول اختبار سياسي
يبدو ملف التعليم من أكثر الملفات قابلية للاشتباك، لا بسبب تفاصيل المناهج وحدها، بل لأن اللغة تحولت إلى سؤال عن شكل الدولة المقبلة.
وتطالب الجهات الكردية بإتاحة التعليم باللغة الكردية وترجمة المناهج إليها، فيما تميل دمشق إلى تدريس الكردية كمادة اختيارية ضمن المنظومة التعليمية الرسمية. وبين الطرحين يظهر خلاف أعمق: هل تستطيع الدولة استيعاب التعدد اللغوي والثقافي من دون أن يتحول ذلك إلى بنى تعليمية وإدارية منفصلة؟
ورغم المرسوم رقم 13 الذي أقر بأن الكرد مكوّن أصيل من الشعب السوري وأن هويتهم الثقافية واللغوية جزء من الهوية الوطنية، لا تزال آليات تحويل هذا الاعتراف إلى ممارسة فعلية غير محسومة.
دمج عسكري بالأسماء أم بالقرار؟
الخلاف الأكثر حساسية يبدو في معنى “الاندماج” نفسه. فعبدي تحدث عن احتفاظ التشكيلات التابعة لـ”قسد” بهياكلها ضمن ألوية جديدة، في حين أن دمشق معنية عملياً بإنهاء أي بنية عسكرية مستقلة خارج التسلسل الرسمي للدولة.
وهنا لا تكفي إعادة تسمية التشكيلات. المعيار الحقيقي هو سلسلة القيادة، ومرجعية القرار، ومدى خضوع هذه الوحدات لوزارة الدفاع وهيئة الأركان والقوانين العسكرية السورية.
وبقاء هذه المسألة موضع تفاوض يعني أن إعلان الاقتراب من نهاية الدمج لا يساوي بالضرورة انتهاء الخلاف حول جوهره.
المناصب.. اندماج أم إعادة توزيع نفوذ؟
تتضمن المباحثات، وفق تسريبات صحفية، بحث أدوار لشخصيات كردية في مؤسسات الدولة، بينها إلهام أحمد ومظلوم عبدي.
لكن إدخال شخصيات كانت جزءاً من إدارة شمال شرقي سوريا إلى بنية الدولة يفتح ملفاً آخر: هل يجري بناء مؤسسات على أساس الكفاءة، أم إعادة توزيع النفوذ السياسي بصيغة جديدة؟
وهنا تصبح الحكومة السورية أمام اختبار صعب، لأن التمثيل السياسي لا يفترض أن يتحول إلى محاصصة قومية، كما أن تجاهل المكوّن الكردي ليس وصفة للاستقرار.
ملفات أثقل من التعليم والمناصب
خلف هذه الملفات، تبقى قضايا أكثر تعقيداً: مصير المعتقلين والمفقودين، عودة النازحين والمهجرين، وضع غير السوريين، ومصير القوى التي لم تدخل بعد في ترتيبات الدمج.
والأهم أن نجاح الاتفاق لن يقاس بعدد الاجتماعات أو البيانات، بل بما يتغير في حياة السكان. فالاندماج الذي لا يعيد الخدمات، ولا يحسم الأمن المحلي، ولا يفتح طريق عودة المهجرين، يبقى اتفاقاً إدارياً أكثر منه تسوية سياسية.
وتواجه الحكومة السورية هنا تحدياً يتجاوز التفاوض مع “قسد”: قدرتها على تحويل اتفاق سياسي مرن ومحمّل بالتأويلات إلى دولة واحدة بقواعد واضحة، من دون أن تتحول كل مؤسسة أو وزارة أو لواء إلى ساحة تفاوض جديدة.
وفي الوقت الذي يقترب فيه موعد نهاية آب، تبدو دمشق والقامشلي أمام أصعب جزء من الاتفاق: ليس توقيع المبادئ، بل الاتفاق على التفاصيل التي ستحدد فعلياً شكل الدولة السورية المقبلة.
اقرأ أيضاً: مظلوم عبدي يعلن اكتمال دمج قسد.. هل تبدأ معركة الحقوق الكردية من الدستور؟