انقطاع الكهرباء في السويداء يحمّل السكان كلفة بدائل باهظة
لم تعد الكهرباء في السويداء خدمة يمكن انتظار عودتها، بل تحولت إلى كلفة إضافية تفرض نفسها على كل تفاصيل الحياة والعمل. ومع وصول التغذية في بعض الفترات إلى ساعة أو ساعتين مقابل نحو ست ساعات من الانقطاع، وجد السكان وأصحاب المهن أنفسهم أمام خيارين: تعطيل أعمالهم، أو دفع المزيد لشراء الكهرباء من الشمس والمولدات والبطاريات.
وتكشف تجربة المحافظة اتساع الفجوة بين الخدمة العامة وما يحتاجه النشاط الاقتصادي للاستمرار. فبدلاً من أن تكون الطاقة مسؤولية بنية تحتية مستقرة، باتت قدرة المحل والورشة والأسرة على العمل مرتبطة بما تملكه من قدرة مالية لتأمين بديل خاص.
الكهرباء تتحول إلى كلفة إنتاج
بالنسبة إلى وائل، صاحب ملحمة في مدينة السويداء، لا يمكن ترك اللحوم لساعات خارج التبريد. لذلك أنفق نحو 5 آلاف دولار على منظومة شمسية تضم ثمانية ألواح ومعداتها، لتشغيل البرادات والآلات خلال فترات الانقطاع.
المبلغ، الذي قد يبدو استثماراً ضرورياً لصاحب عمل، يمثل في الوقت نفسه كلفة كان يفترض ألا يتحملها منفرداً للحفاظ على نشاطه. وينطبق الأمر ذاته على أصحاب محال الألبان والأجبان والمشروعات المنزلية التي تحتاج إلى الكهرباء للإنتاج والتبريد.
وتقول أم حديد، التي تصنع الألبان من منزلها، إن ضعف قدرتها على تخزين الإنتاج يجبرها على العمل وفق الطلبات المسبقة، ولذلك تقدمت للحصول على قرض لشراء منظومة شمسية تتيح لها توسيع إنتاجها.
وفي المنطقة الصناعية، تبدو الصورة أكثر وضوحاً؛ مولدات ومنظومات شمسية وبطاريات تحولت إلى جزء من أدوات العمل اليومية. أما النجارون وأصحاب الورش، فيضطرون إلى شحن بطاريات معداتهم مسبقاً أو تشغيل المولدات عند الحاجة، مع تحمل كلفة الوقود والصيانة.
المولدات.. سوق تنمو مع الانقطاع
لم يعد المولد مجرد وسيلة احتياطية، بل أصبح بالنسبة إلى بعض أصحاب المهن أداة عمل ومصدراً لدخل إضافي. فعز الدين، العامل في التمديدات الصحية، يستخدم مولدته عند انقطاع التيار، ثم يؤجرها للسكان لضخ المياه أو تشغيل الأدوات المنزلية، أو للورش التي تحتاج إلى استطاعة أكبر.
وهكذا ينشأ اقتصاد صغير حول انقطاع الكهرباء نفسه: أصحاب مولدات يؤجرون الطاقة، ومحال تبيع البطاريات والمنظومات، وأسر تشحن بطارياتها لدى الجيران، فيما يدفع أصحاب الأعمال تكلفة إضافية كي لا تتوقف عجلة الإنتاج.
وتؤكد تقارير محلية أن الاعتماد على الطاقة الشمسية اتسع في السويداء بصورة كبيرة، لكن كلفة تركيب المنظومات ما تزال تحول دون استفادة الأسر الأقل دخلاً منها.
البديل متاح لمن يستطيع دفع ثمنه
تتدرج البدائل بحسب القدرة المالية. فمنظومة صغيرة للإنارة وشحن الأجهزة قد تبدأ من نحو 150 دولاراً، فيما ترتفع الكلفة إلى مئات الدولارات لتشغيل البراد والغسالة، وقد تتجاوز 1200 دولار للمنظومات القادرة على تشغيل أجهزة ذات استطاعة أكبر.
أما البطاريات فتقدم حلاً أضيق، إذ تبدأ بعض بطاريات الإنارة من نحو 10 دولارات، بينما تصل بطاريات الاستخدام المنزلي إلى عشرات الدولارات، من دون احتساب تكاليف الاستبدال والصيانة.
المشكلة هنا ليست في قدرة الأهالي على ابتكار الحلول، بل في أن هذه الحلول أصبحت شرطاً لممارسة الحياة الطبيعية. فالعائلة التي لا تملك ثمن لوح أو بطارية تبقى رهينة ساعات التغذية، وصاحب الورشة الذي لا يستطيع شراء مولدة يواجه خيار إيقاف عمله أو تحمل خسائر التوقف.
المازوت يضيف كلفة جديدة
تزامن ذلك مع رفع سعر المازوت القياسي إلى 175 ليرة لليتر في 13 أيلول، قبل إعلان وزارة الطاقة لاحقاً عن ثلاث شرائح، بينها مازوت مدعوم بسعر 115 ليرة للتدفئة والزراعة والفئات المستحقة، وآخر بسعر 150 ليرة لبعض الاستخدامات الإنتاجية والخدمية، مقابل 175 ليرة للنوع القياسي.
لكن انخفاض سعر بعض الشرائح لا يلغي المشكلة الأساسية: الكهرباء التي يفترض أن تصل عبر الشبكة يجري استبدالها بمزيج من الوقود والألواح والبطاريات، وكل بديل يحتاج إلى رأس مال أو دخل إضافي.
وفي السويداء، أدت أعطال خطوط التغذية الرئيسية والاحتياطية إلى انقطاعات واسعة أثرت أيضاً في ضخ المياه، ما يوضح أن أزمة الكهرباء لا تتوقف عند الإنارة المنزلية، بل تمتد إلى الخدمات والإنتاج.
المواطن يدفع ثمن غياب الحل
تكشف هذه الصورة أن معالجة أزمة الكهرباء لا يمكن أن تقتصر على توفير الوقود أو تشجيع الطاقة البديلة. فالطاقة الشمسية والمولدات قد تمنح الأسر والمنشآت قدرة مؤقتة على الصمود، لكنها لا تعفي الحكومة من مسؤولية إعادة بناء شبكة قادرة على تقديم خدمة مستقرة.
وفي ظل استمرار الانقطاعات، تتحول فاتورة الكهرباء إلى فاتورتين: واحدة للخدمة العامة، وأخرى لشراء بديل عنها. وبينما تتحدث الجهات الحكومية عن خطط وإجراءات لتأمين الطاقة، يبقى الاختبار الحقيقي في قدرة الشبكة على الوصول إلى المنازل والورش والمحال دون أن يضطر المواطن إلى تمويل بديل كامل من جيبه.
فحين يصبح تشغيل البراد أو آلة العمل أو مضخة المياه مشروطاً بامتلاك منظومة شمسية أو مولدة، لا تعود المشكلة مجرد تقنين كهربائي، بل تصبح عبئاً اقتصادياً يعاد توزيعه من الدولة إلى المواطن.
اقرأ أيضاً: طلاب السويداء بلا قرار بشأن امتحاناتهم وانتقالهم للعام الدراسي الجديد