التراث السوري تحت الأنقاض.. 59% من المواقع الأثرية تعرضت للنهب والتدمير خلال سنوات الحرب

لم تكن الحرب في سوريا مجرد معركة على الأرض والسلطة، بل امتدت إلى ما هو أقدم من الدول والحدود؛ إلى ذاكرة الحضارات التي بقيت آلاف السنين قبل أن تجد نفسها مكشوفة أمام الفوضى والإهمال. دراسة حديثة نشرتها مجلة Heritage العلمية تكشف أن عشرات المواقع الأثرية السورية تحولت خلال السنوات الماضية إلى ساحات للنهب والتجريف والعسكرة، في مشهد يعكس حجم الخسارة التي لحقت بتراث البلاد وسط غياب حماية فاعلة من المؤسسات المعنية.

وبحسب الدراسة، التي اعتمدت على تحليل صور الأقمار الصناعية ومقارنتها بصور تعود إلى ما قبل عام 2011، فإن نحو 59 بالمئة من المواقع الأثرية التي شملها البحث تعرضت لعمليات نهب بين عامي 2011 و2025، مقارنة بـ13.4 بالمئة فقط خلال الفترة الممتدة بين 2011 و2016.

وشملت الدراسة نحو 200 موقع أثري في مناطق الفرات الأدنى ووادي البليخ والرقة وشمالي حماة، ورصدت أربعة أشكال رئيسية من الأضرار: النهب التقليدي، والنهب الآلي، والعسكرة، وإقامة المخيمات فوق المواقع الأثرية.

من الحفر الصغيرة إلى جرافات تبتلع التاريخ

تشير الدراسة إلى أن النهب التقليدي أصبح الظاهرة الأكثر انتشاراً، إذ سجلت عمليات حفر فردية أو محدودة في 116 موقعاً من أصل 199 موقعاً خضع للتقييم. ويرتبط انتشار هذا النوع من النهب، وفق الباحثين، بضعف الرقابة وانهيار الظروف الأمنية والاقتصادية، ما جعل المواقع الأثرية هدفاً سهلاً أمام الباحثين عن قطع قابلة للبيع.

لكن الأخطر كان خلال السنوات الأولى من الحرب، عندما ظهرت حملات نهب واسعة ومنظمة في مواقع مثل ماري وأفاميا، حيث غطت آلاف الحفر مساحات واسعة، ما أدى إلى تدمير طبقات أثرية تحمل معلومات لا يمكن تعويضها عن تاريخ المنطقة.

الجرافات بدل المنقبين

وترى الدراسة أن النهب الآلي يمثل أحد أكثر أشكال التخريب خطورة، بعدما تحولت الجرافات إلى أدوات لاستخراج القطع الأثرية بطريقة عشوائية، خصوصاً في مناطق عفرين وعين العرب.

وفي مواقع مثل عين دارة والنبي هوري (سيروس)، أدت عمليات التجريف إلى إزالة أجزاء واسعة من التلال الأثرية، وتدمير طبقات تاريخية كاملة، في خسارة لا يمكن قياسها فقط بعدد القطع المسروقة، بل بما فقدته المواقع من سياقها العلمي والتاريخي.

آثار الحرب لم تتوقف عند الجبهات

لم تسلم المواقع الأثرية أيضاً من الاستخدامات العسكرية، إذ تحولت بعض التلال والمواقع المرتفعة إلى نقاط تمركز وخنادق ومواقع للمدفعية، كما حدث في إيبلا (تل مرديخ) وتل قرقور، ما أدى إلى تخريب بنيتها وتشويه معالمها.

كما أضافت أزمة النزوح ضغطاً جديداً على التراث السوري، بعدما أقيمت مخيمات فوق بعض المواقع الأثرية بسبب الحاجة إلى مساحات مفتوحة، ومنها تل البيعة شرقي الرقة، حيث أقيم مخيم ضم أكثر من 120 خيمة قبل أن يترك خلفه أضراراً وحفراً جديدة.

تراث بلا حماية كافية

وتؤكد الدراسة أن إعادة تأهيل هذه المواقع لن تكون مهمة سهلة، إذ تحتاج أولاً إلى إزالة مخلفات الحرب والذخائر غير المنفجرة، ثم تقييم الأضرار وتوثيق ما تبقى من طبقات ومبانٍ أثرية.

وفي ظل استمرار ضعف الإمكانات وتراجع دور المؤسسات المعنية بحماية التراث، تواجه الحكومة السورية الانتقالية تحدياً كبيراً في إنقاذ ما تبقى من الذاكرة الأثرية للبلاد. فالمواقع التي صمدت أمام قرون من الغزوات والكوارث، لم تكن مستعدة لعاصفة الفوضى التي ضربت سوريا خلال العقد الأخير.

وبينما تتحدث الجهات الرسمية عن إعادة الإعمار، يبقى السؤال الأكثر إلحاحاً: كيف يمكن بناء مستقبل جديد لبلد يفقد بصمت شواهد ماضيه؟ فالتراث السوري لا يحتاج فقط إلى خطط ترميم، بل إلى إرادة حقيقية توقف نزيف الذاكرة قبل أن تتحول آلاف السنين من التاريخ إلى مجرد صور في أرشيف الأقمار الصناعية.

 

اقرأ أيضاً: اتهامات بـ “نهب منظم”: خبراء أتراك وقوات الأمن العام ينقبون عن الآثار في ريف منبج وحلب

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.