مقاتلو “قسد” الأتراك.. هل تفتح أنقرة باباً لتسوية عقدة الدمج في سوريا؟
لا يبدو أن ملف دمج قوات سوريا الديمقراطية “قسد” ومؤسساتها في الدولة السورية قد وصل إلى نهايته رغم التصريحات المتفائلة عن تجاوز معظم العقبات. فخلف الحديث عن اقتراب اكتمال الاندماج، يبقى ملف المقاتلين الأجانب، وخصوصاً الأتراك منهم، واحداً من أكثر الملفات حساسية وتعقيداً، نظراً لارتباطه المباشر بالحسابات الأمنية التركية وبمستقبل العلاقة بين أنقرة ودمشق.
وبحسب مصادر مواكبة للملف، أظهرت تركيا مرونة مفاجئة تجاه احتمال منح بعض المقاتلين الأتراك من أصول كردية الجنسية السورية، في موقف قد يفتح الباب أمام تسوية وسطية لواحدة من أعقد نقاط الاتفاق بين الحكومة السورية الانتقالية و”قسد”.
الجنسية مقابل القطيعة مع حزب العمال
كان ملف المقاتلين الأتراك في “قسد” من أبرز الملفات التي اصطدمت بها ترتيبات الدمج منذ توقيع الاتفاق بين الرئيس أحمد الشرع وقائد “قسد” مظلوم عبدي.
وتقول المصادر إن أنقرة كانت تشدد في السابق على ضرورة إخراج المقاتلين الأجانب من سوريا، باعتبار وجودهم جزءاً من التهديدات التي تربطها تركيا بحزب العمال الكردستاني.
لكن المعادلة تبدو اليوم أكثر مرونة، مع تداول مقترحات تقوم على منح بعض هؤلاء الجنسية السورية، مقابل قطع صلاتهم نهائياً بحزب العمال والاندماج في مؤسسات الدولة السورية.
ولا يعني ذلك أن الملف حُسم؛ فعدد المقاتلين الأتراك المعنيين غير معروف بدقة، فيما تصف مصادر مطلعة العدد بأنه “ليس بالقليل”، ما يجعل أي تسوية مرتبطة بآليات تدقيق دقيقة وخطوط حمراء أمنية تركية واضحة.
أنقرة تعيد حساباتها
يرى الأكاديمي والمحلل السياسي التركي طه عودة أوغلو أن هذا الملف يمثل إحدى آخر العقد الحساسة في مسار الدمج، مشيراً إلى احتمال التوصل إلى حل وسط بين أنقرة ودمشق يمنع تحويل الجنسية السورية إلى وسيلة لإعادة تدوير مقاتلين مرتبطين بحزب العمال.
وتتقاطع هذه القراءة مع تقديرات الكاتب والمحلل السياسي التركي عبد الله سليمان أوغلو، الذي يرى أن انفتاح تركيا على مسار التسوية مع حزب العمال قد يفسر مرونتها في التعامل مع ملف المقاتلين الأتراك داخل “قسد”، باعتبار أن أنقرة تريد إغلاق ملف التنظيم وفروعه في المنطقة، وليس فقط إدارة وجوده في شمال شرقي سوريا.
ومن المؤشرات التي يستند إليها هذا الاتجاه ما أُثير حول رفع اسم سمير أوسو، المعروف بـ”سيبان حمو”، من قوائم المطلوبين الأتراك بعد تعيينه نائباً لوزير الدفاع السوري، وهو ما عُدّ إشارة إلى تغير في طريقة إدارة أنقرة لبعض الملفات المرتبطة بالقيادات الكردية.
دمشق تتفاوض في مساحة ضيقة
في المقابل، تكشف تفاصيل الملف حجم المساحة الضيقة التي تتحرك فيها الحكومة السورية الانتقالية. فدمشق لا تتعامل مع ملف داخلي خالص، بل مع تفاهمات تتقاطع فيها الحسابات السورية والتركية والكردية، فيما يبدو أن جانباً مهماً من التسوية لا يزال مرتبطاً بالموقف التركي.
وقال المسؤول السابق في مجلس سوريا الديمقراطية “مسد” رياض درار إن التطورات تعكس حجم الحضور التركي في تفاصيل القرار المتعلق بمسار الدمج، إلى جانب ما يراه مؤشراً إلى قبول أنقرة بالتدرج الجاري في العملية.
وكان مظلوم عبدي قد أعلن الخميس الماضي اكتمال دمج المؤسسات المدنية والعسكرية الكردية ضمن مؤسسات الدولة السورية، في وقت تحدث فيه القيادي في “قسد” محمود برخدان عن تجاوز 99% من الإشكالات المرتبطة بملف الجيش والحكومة.
لكن بقاء ملف المقاتلين الأجانب مفتوحاً يوضح أن النسبة المعلنة لا تعني بالضرورة انتهاء التفاصيل الأكثر حساسية.
عقدة لم تُحل بعد
تشير التقديرات إلى أن “قسد” استقطبت خلال السنوات الماضية مقاتلين أكراداً من تركيا والعراق وإيران، فيما تراوحت أعدادهم، وفق تقديرات مختلفة، بين 800 و2000 مقاتل، انسحب معظمهم لاحقاً إلى معسكرات تابعة لحزب العمال خارج سوريا بعد اتفاق الدمج.
لكن بقاء جزء من الملف دون تسوية نهائية يعني أن إعلان اكتمال الاندماج قد يسبق الاتفاق على كل تفاصيله.
والسؤال الأهم الآن ليس فقط أين سيذهب هؤلاء المقاتلون، بل ما إذا كانت التسوية المرتقبة ستغلق الملف فعلاً أم تؤجله بصيغة جديدة، خصوصاً في ظل اعتماد الحكومة السورية الانتقالية على تفاهمات مع قوى إقليمية أقوى منها، وتداخل الأمن التركي مع إعادة تشكيل الدولة السورية نفسها.
وهكذا، كلما اقترب ملف “قسد” من نهايته المعلنة، ظهرت عقدة جديدة تذكّر بأن الدمج في سوريا لا يجري داخل حدود سورية فقط.
اقرأ أيضاً: مظلوم عبدي يعلن اكتمال دمج قسد.. هل تبدأ معركة الحقوق الكردية من الدستور؟