ما وراء التعزيزات الروسية الأخيرة إلى طرطوس وحميميم؟

أكدت التطورات الميدانية الأخيرة في قاعدتي حميميم وطرطوس أن الوجود العسكري الروسي في سوريا لم ينتهِ مع التغير السياسي الذي شهدته البلاد، بل انتقل إلى مرحلة جديدة تختلف كليًا في حجمها وطبيعتها وآليات تنظيمها عن الحقبة السابقة، حيث يأتي وصول قافلة بحرية تضم سفنًا حربية وأخرى للشحن إلى الساحل السوري خلال الأسبوع الماضي بحسب وكالة “رويترز” كأول تطبيق عملي لمذكرة التفاهم الناظمة لمستقبل هذا الوجود بعد توصل دمشق وموسكو إليها

ترتيبات جديدة وتحول الموانئ للإدارة المدنية

تأتي هذه الحركة البحرية التي شملت وصول أربع سفن روسية إلى ميناء طرطوس في السابع من أيلول/سبتمبر كأول مهمة تشغيلية منذ الإعلان عن الاتفاق السوري الروسي في التاسع من آب/أغسطس 2026، إذ كان الانتشار الروسي قبل التحول السياسي أكثر استقلالية وأوسع جغرافيًا، ليتقلص حاليًا وينحصر في منطقتي حميميم وطرطوس ضمن أطر تقيد الاستقلالية السابقة وتربط مختلف الأنشطة بموافقة الجانب السوري والتنسيق المباشر معه

وتنص مذكرة التفاهم الصادرة في التاسع من آب/أغسطس 2026 على نقل إدارة المنشآت ذات الطابع المدني وفي مقدمتها مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس إلى الإدارة المدنية السورية تدريجيًا خلال فترة لا تتجاوز ثلاثة أشهر، مع تحويل المنشآت العسكرية المتبقية من قواعد مستقلة إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل تخدم مصالح الطرفين

وفي هذا السياق أوضح الخبير الأمني والاستراتيجي باسل شبيب في تصريحات لـ”المدن” أن التعزيزات العسكرية الروسية الأخيرة تشكل خطوة استباقية للحفاظ على نفوذ موسكو الجيوسياسي في شرق المتوسط وتأمين مكتسباتها الاستراتيجية، مشيرًا إلى أن هذه التحركات تهدف لردع التحركات المعادية وإعادة التوازن الميداني وتأكيد القدرة على حماية المصالح الحيوية

وأضاف شبيب أن الجانب الروسي يركز على حماية مصالحه في حوض البحر المتوسط وضمان الوصول إلى الغاز الطبيعي الذي يعتبر ركيزة أساسية للطاقة الروسية، منوهًا بوجود اتفاقيات اقتصادية جرى التوافق على تفعيلها مؤخرًا في هذا المجال

طبيعة الإمدادات وحجم القافلة البحرية

نقلت وكالة “رويترز” عن مصدر عسكري سوري ورجل أعمال سوري روسي مطلع أن السفينة “سبارتا” أفرغت شحنة إمدادات شملت ذخائر مخصصة لقاعدتي حميميم وطرطوس، مع الإشارة إلى تعذر التحقق المستقل من محتويات الشحنة أو وجهتها النهائية، فيما أظهرت صور الأقمار الصناعية أواخر الأسبوع وجود السفينتين “سبارتا” و”أكاديميك باشين” في ميناء طرطوس في الثامن من أيلول/سبتمبر مع ترقب السفينة “جنرال سكوبيليف” قبالة الساحل

من جانبه أكد الباحث في الشأن العسكري ضياء قدور لـ”المدن” أن ما وصل إلى الساحل السوري يندرج تحت بند الإمداد اللوجستي التقليدي المحدود، موضحًا أن الشحنات تضمنت معدات وذخائر تكتيكية مخصصة للقواعد المتبقية ولا تعكس التحضير لعملية عسكرية موسعة أو إعادة انتشار بالنمط القديم، لا سيما أن القافلة عبرت مضيق جبل طارق تحت رقابة غربية مكثفة، مما يرجح أن الإمدادات موجهة لأغراض التدريب والصيانة والدعم الفني وإعادة التأهيل

الأهمية الاستراتيجية لقاعدتي طرطوس وحميميم

تتجاوز أهمية التمسك بالمنشأتين الأبعاد العسكرية المباشرة، إذ يمثل ميناء طرطوس المنفذ البحري الوحيد لروسيا لعمليات الإصلاح والتموين في البحر المتوسط ونقطة ارتكاز حيوية للانطلاق نحو الشرق الأوسط وأفريقيا، بينما تشكل قاعدة حميميم مركز الثقل الجوي الروسي الذي يضمن لموسكو استمرار حضورها اللوجستي في المنطقة رغم تقلص المساحات التي تنتشر فيها

وفسر المختص بالشأن الروسي ديمتري بريدجة حركة القافلة الأخيرة بكونها اختبارًا ميدانيًا لمذكرة التفاهم بين موسكو ودمشق، مشيرًا في حديثه لـ”المدن” إلى أن التحرك يحقق ثلاثة أهداف رئيسية تتلخص في تثبيت حق البقاء العسكري الذي نصت عليه المذكرة بالتوازي مع نقل السلطة المدنية للمرفأ، والحفاظ على طرطوس مركزًا لوجستيًا وحيدًا للأسطول الروسي في المتوسط، إضافة إلى إرسال رسالة طمأنة لدمشق وتذكير للقوى الدولية الجديدة التي دخلت على خط المرافق السورية بعد سقوط نظام الأسد بأن روسيا ما زالت طرفًا فاعلًا في المعادلة

ولفت بريدجة إلى أن مشاركة المدمرة “أدميرال ليفتشينكو” ضمن القافلة يحمل دلالة رمزية تعكس القدرة البحرية الروسية، مؤكدًا أن زيارة رئيس أركان الجيش السوري لقاعدة حميميم تشير إلى أن كل هذه الخطوات تتم بالتنسيق الكامل مع السلطات السورية

آفاق التعاون والتنسيق العسكري الأمني

تؤكد المعطيات الراهنة وجود فارق جوهري بين مرحلة الانتشار السابق والترتيبات الحالية التي أضحت أكثر تقيدًا بالتنسيق مع الدولة السورية، حيث تشير القراءات التحليلية إلى أن دخول القافلة البحرية تم بموافقة صريحة من دمشق، وهو ما تعززه الزيارة الميدانية لرئيس أركان الجيش السوري إلى قاعدة حميميم

وتوضح التقييمات العسكرية أن طبيعة الإمدادات الأخيرة خلت من أي منظومات قتالية استراتيجية جديدة، ويرتبط استمرار هذا القدر من الدعم الفني واللوجستي الروسي باحتياجات المؤسسة العسكرية السورية نفسها لكونها تمتلك منظومات تسليح وتجهيزات روسية الصنع تتطلب صيانة وتأهيلًا مستمرين في المرحلة المقبلة

اقرأ أيضاً:سفير روسيا لدى تل أبيب: آلية عسكرية مع إسرائيل لتجنب الحوادث في سوريا

اقرأ أيضاً:تعاون سوري–أوكراني لتطوير الطيران المسيّر.. تدريب وخطط لإنتاج «شاهين» بقدرات قتالية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.