الأحوال المدنية في حلب.. رحلة المواطن بين الأوراق والانتظار وسط تعقيدات السجل المدني

لا تبدأ معاناة كثير من سكان حلب وريفها عند نافذة الأحوال المدنية، بل قبل ذلك بكثير؛ عند البحث عن ورقة مفقودة، أو تصحيح حرف في اسم، أو محاولة إثبات واقعة ولادة أو زواج اصطدمت بسجلات لا تتطابق وذاكرة إدارية مثقلة بسنوات الانقسام.

فالمعاملة التي يفترض أن تكون إجراءً بسيطاً لتثبيت حق مدني، تتحول في كثير من الحالات إلى رحلة طويلة بين المحكمة والمستشفى والمنطقة الصحية ودائرة النفوس، يحمل فيها المواطن ملفه من باب إلى آخر، بحثاً عن ختم أو توقيع أو تفسير لاختلاف ظهر فجأة في وثيقة رسمية.

سجلات متعددة ومواطن يدفع ثمن الاختلافات

في المناطق التي عاشت سنوات خارج منظومة السجل المدني المركزي، برزت مشكلات جديدة مع عودة المؤسسات الرسمية ومحاولات دمج البيانات القديمة والجديدة. اختلاف صيغ الوثائق، وتباين الأسماء والتواريخ والبيانات العائلية، فتح الباب أمام معاملات تصحيح قد تمتد لأشهر، وتحول الأخطاء الإدارية إلى أعباء مالية وزمنية على المواطنين.

ويقول سكان في ريف حلب إن المشكلة لا تكمن فقط في وجود الإجراءات، بل في غياب وضوح مسارها منذ البداية، إذ قد يصل المواطن إلى الدائرة ليكتشف أن ملفه يحتاج إلى وثيقة أخرى أو مراجعة جهة إضافية، ما يعني رحلة جديدة وكلفة جديدة.

يروي عبد السلام الكرز، من مدينة الباب، أن تسجيل ولادة طفلته تطلب منه التنقل بين المستشفى والمنطقة الصحية ودائرة الأحوال المدنية، قبل أن يتمكن من استكمال المعاملة. ويرى أن الازدحام وكثرة المراجعين يشكلان أحد أبرز أسباب التأخير، خاصة في المناطق التي تعتمد على مركز واحد لخدمة آلاف السكان.

أما عمر الفاروق، فقد وجد نفسه أمام مسار أكثر تعقيداً أثناء محاولته تصحيح خطأ في عقد الزواج، بعدما اختلف اسم زوجته بين وثيقة المحكمة والبيانات المعتمدة في السجل الإلكتروني. المعاملة التي بدأت بتصحيح حرف واحد، تحولت إلى مراجعات بين المحكمة والشعبة المختصة ودائرة النفوس، وانتظار امتد لأشهر بسبب اختلافات في الوثائق.

المواطن أمام متاهة إدارية

يرى المحامي يزن عبيد أن بعض معاملات الزواج لا تزال تحتاج إلى المرور عبر عدة جهات، ما يجعل المواطن في مواجهة شبكة من الإجراءات المتداخلة. فبين السجل المدني والمحكمة والجهات الصحية وغيرها، تصبح رحلة تثبيت واقعة قانونية سلسلة من الخطوات التي تحتاج إلى معرفة مسبقة ودقة كبيرة.

ويشير إلى أن غياب دليل واضح ومحدث للمعاملات يزيد من الإرباك، إذ يضطر المواطن أحياناً إلى اكتشاف متطلبات جديدة في كل مرحلة، بدلاً من معرفة كامل الإجراءات قبل بدء معاملته.

كما أن بعض الملفات الحساسة، كتصحيح بيانات الزواج أو تسجيل وفيات مرتبطة بسنوات الحرب، تكشف حجم التعقيد القانوني الذي خلفته المرحلة الماضية، وتضع الأسر أمام أسئلة إجرائية جديدة فوق أعبائها الأصلية.

الأتمتة وحدها لا تكفي

من جهتها، تؤكد الأحوال المدنية أنها عملت خلال الفترة الماضية على توسيع الخدمات، وزيادة عدد الموظفين، واعتماد الربط الإلكتروني والنافذة الواحدة، إضافة إلى تسجيل بعض الوقائع مباشرة عبر المستشفيات والمحاكم.

لكن بين ما تقوله الإجراءات الرسمية وما يعيشه المواطن في بعض المناطق، لا تزال الفجوة قائمة. فالتحدي لا يرتبط فقط بتوفير المنصات الإلكترونية أو إعادة فتح المراكز، بل بقدرة النظام الإداري على معالجة إرث سنوات طويلة من اختلاف السجلات، وتأمين آليات أسرع لتصحيح الأخطاء، وتخفيف الحاجة إلى تنقل المواطنين بين المدن والدوائر.

في حلب وريفها، لا تزال ورقة صغيرة قادرة على تعطيل حياة كاملة؛ فالاسم الخاطئ، أو التاريخ المختلف، أو الوثيقة الناقصة، قد تعيد المواطن إلى نقطة البداية. وبينما تتحدث الجهات الرسمية عن تطوير الخدمات، ينتظر كثيرون أن تتحول هذه الوعود إلى إجراءات ملموسة تختصر الطريق بين المواطن وحقه المدني.

 

اقرأ ايضاً: الأحوال المدنية توضح آلية تنفيذ مرسوم منح الجنسية للكرد في سوريا

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.