أسواق دمشق وريفها خارج السيطرة.. مخالفات الأسعار والفواتير تتكرر والرقابة عاجزة عن ضبط السوق

لا تزال أسواق دمشق وريفها تشهد مخالفات متكررة في الأسعار والفواتير والالتزام بالأنظمة، فيما تبدو الرقابة عاجزة عن تحويل إجراءاتها إلى ضبط فعلي للسوق وحماية مستقرة للمستهلك. فالمشكلة لم تعد في تسجيل المخالفات بعد وقوعها، بل في استمرارها وتكرارها، بما يطرح أسئلة مباشرة حول فاعلية آليات الرقابة وقدرتها على منع التجاوزات قبل وصول آثارها إلى المواطنين

وتكشف الأرقام الرسمية حجم الجهد المبذول، لكنها تكشف في الوقت نفسه اتساع المهمة. فقد أعلنت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في دمشق تنظيم 61,447 ضبطاً تموينياً خلال النصف الأول من العام الحالي، خلال أكثر من 22 ألف جولة رقابية. وفي ريف دمشق، سجلت المديرية 10,225 ضبطاً خلال الفترة نفسها.

وهنا تبرز المفارقة: كلما ارتفع عدد الضبوط، يصعب النظر إليها بوصفها دليلاً وحيداً على نجاح الرقابة، إذ يمكن أن تكون أيضاً مؤشراً إلى أن السوق ما تزال تنتج المخالفة بوتيرة واسعة.

الأسعار أقل مخالفة.. والفواتير أكثر إزعاجاً

تشير المديريتان إلى تراجع مخالفات عدم الإعلان عن الأسعار، بالتزامن مع تشديد التعليمات المتعلقة بالتسعير بالليرة السورية الجديدة. ويقول رئيس دائرة حماية المستهلك في ريف دمشق عبد الله درباس إن نسبة الالتزام بالإعلان عن الأسعار وصلت إلى نحو 80 بالمئة.

لكن تحسن هذا المؤشر لا يعني أن المشكلة السعرية انتهت. ففي ريف دمشق وحده، سجلت المديرية خلال النصف الأول من العام 3,043 ضبطاً لعدم الإعلان عن الأسعار، إلى جانب مخالفات أخرى تتعلق بالغبن والغش والشروط الصحية.

أما الفواتير، فما تزال واحدة من أكثر نقاط الضعف وضوحاً في حركة السوق. فغياب الفاتورة لا يعني فقط مخالفة إدارية، بل يترك عملية البيع بلا وثيقة واضحة يستطيع المستهلك الرجوع إليها، ويجعل تتبع مصدر السلعة وسعرها وحركة تداولها أكثر صعوبة.

وبحسب المديريتين، تبلغ غرامة مخالفة تداول الفواتير في محال المفرق 8 آلاف ليرة سورية جديدة للمرة الأولى، بينما تصل إلى 16 ألفاً في المعامل ومحال الجملة ونصف الجملة، وتتضاعف عند التكرار.

العقوبة تبدأ بعد أن تصل المخالفة إلى المواطن

تتدرج العقوبات المتعلقة بعدم الإعلان عن الأسعار بحسب التكرار؛ ففي ريف دمشق تتضاعف الغرامة عند تكرار المخالفة خلال ثلاثة أشهر، وقد يصل الأمر في المرة الثالثة إلى إغلاق المحل ثلاثة أيام. وفي دمشق تتصاعد العقوبات مع التكرار وصولاً إلى الإغلاق لمدة أسبوع.

لكن المشكلة الأوسع لا تكمن في حجم الغرامة وحده، بل في طبيعة الرقابة نفسها. فحين تصبح العلاقة بين الرقابة والسوق قائمة أساساً على ضبط المخالفة بعد وقوعها، يبقى المستهلك معرضاً للدفع أكثر أو شراء سلعة غير مطابقة أو الخروج من المتجر بلا فاتورة قبل أن تصل الدورية.

وتظهر البيانات الرسمية أن مديرية دمشق كثفت الجولات إلى مستويات كبيرة، فيما شهد ريف دمشق خلال أيلول الحالي وحده تنظيم مئات الضبوط خلال أسبوع واحد بعد جولات شملت أكثر من ألف فعالية تجارية وعشرات المعامل.

الرقابة تتوسع.. والسوق لا يستقر

تتجه الجهات الرقابية أيضاً إلى استخدام أدوات تقنية جديدة، من بينها كاميرات لتوثيق الجولات وربطها بمنظومة المعلوماتية، إضافة إلى تطبيق إلكتروني لاستقبال الشكاوى وتنظيم عمل الدوريات وسبر الأسعار.

كما يستطيع المستهلك في دمشق تقديم الشكاوى عبر الرقم 119، أو رمز الاستجابة السريعة، أو الشكاوى الخطية والإلكترونية، فيما تقول مديرية ريف دمشق إن الشكاوى تحال إلى الدوريات خلال 24 ساعة ويجري الرد عليها خلال مدة تصل إلى 48 ساعة.

غير أن تحميل المواطن دوراً متزايداً في اكتشاف المخالفات لا يعفي الجهات الرقابية من مسؤوليتها الأساسية. فالمواطن الذي يشتكي من سعر زائد أو غياب فاتورة أو مادة مخالفة لا يفترض أن يتحول إلى مفتش ميداني غير رسمي، ولا ينبغي أن تصبح الشكوى الوسيلة الطبيعية لاكتشاف ما يفترض أن تراقبه الدولة بصورة استباقية.

آلاف الضبوط.. والسؤال الأهم

لا تنقص مديريات التجارة الداخلية في دمشق وريفها الجولات ولا الأرقام ولا الضبوط. ما ينقص هو أن تتحول هذه الكثافة الرقابية إلى أثر يمكن للمواطن أن يلمسه في السوق: سعر معلن وواضح، فاتورة مضمونة، سلعة مطابقة، وعقوبة تمنع تكرار المخالفة بدلاً من الاكتفاء بتسجيلها.

فالأرقام الرسمية نفسها تظهر أن المخالفات مستمرة رغم النشاط الرقابي الكبير، وأن السوق تحتاج إلى ما هو أبعد من حملات متلاحقة وضبوط متراكمة. وإذا بقيت الرقابة تعمل بمنطق “الجولة ثم الضبط ثم الغرامة”، فإنها ستظل تطارد المخالفة بدلاً من معالجة البيئة التي تسمح بتكرارها.

وفي النهاية، لا يُقاس نجاح حماية المستهلك بعدد الأوراق التي تملأ سجلات المديريات، بل بعدد المخالفات التي لم يعد التاجر يجرؤ على ارتكابها، وبمدى قدرة المواطن على دخول السوق وهو يعرف مسبقاً ما سيدفعه، وما الذي يشتريه، ومن يضمن حقه إذا تعرض للغش.

 

اقرأ أيضاً: أسعار إدلب بين الليرة التركية والسورية.. فروقات صرف ترفع كلفة الشراء والرقابة عاجزة عن ضبط التسعير

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.