بستان القصر في حلب.. خدمات متدهورة وأنقاض الحرب ما تزال عالقة
عاد السكان إلى بستان القصر في حلب، وعادت معه الحركة التجارية إلى بعض شوارعه، لكن الخدمات لم تستعد بالسرعة نفسها. ففي حي تركت سنوات الحرب أثقالها على الأبنية والشبكات والطرقات، ما تزال الأنقاض والنفايات وأعطال الكهرباء ومشكلات مياه الشرب والصرف الصحي جزءاً من يوميات السكان، فيما تتحرك أعمال التأهيل على نحو متقطع لا يوازي حجم الاحتياجات.
وتبدو المفارقة واضحة في حي يستعيد سكانه ومحالّه تدريجياً، بينما لا تزال أجزاء من بنيته التحتية عالقة في مرحلة ما بعد الدمار. وبينما بدأت المحافظة ومجلس المدينة تنفيذ بعض أعمال الصيانة وترحيل الأنقاض، يبقى كثير من الملفات مرهوناً بإجراءات إدارية وقانونية وبقدرة الجهات الخدمية على تأمين الموارد والآليات اللازمة.
أنقاض منذ سنوات.. والخدمة تبدأ من تحت الركام
يقدّر مختار بستان القصر محمد عبيد عدد المنازل المهدمة بالكامل بنحو 750 منزلاً، فيما لا تزال أنقاض بعضها موجودة منذ سنوات. ويشير إلى أن بعض الركام قد يخفي جثامين لأشخاص قضوا خلال القصف ولم يتمكن الأهالي من انتشالهم آنذاك، ما يجعل إزالة الأنقاض في بعض المواقع ملفاً إنسانياً يتجاوز كونه مسألة نظافة أو تحسين للمشهد العام.
كما تحولت أكوام الركام إلى بيئة مناسبة لانتشار القوارض، لتنتقل آثارها إلى الشوارع والمحال والمنازل المجاورة.
وفي المقابل، يوضح مدير المديرية الخدمية الرابعة في مجلس مدينة حلب خالد عثمان أن المجلس رحّل سابقاً أنقاضاً من الأملاك العامة، فيما تخضع الأنقاض الواقعة ضمن الملكيات الخاصة لإجراءات القانون رقم 3 لعام 2018.
لكن مراجعة هذا القانون نفسها باتت مطلوبة بعد أن أقرت وزارة الإدارة المحلية والبيئة بوجود صعوبات في تطبيقه، مرتبطة بالتحقق من الملكيات وطول الإجراءات، وأعلنت في 3 آب تشكيل لجنة متخصصة لمراجعته وتطوير آليات تنفيذه.
وهكذا يبقى جزء من الركام عالقاً في المسافة بين الحاجة الميدانية والإجراء القانوني، بينما يعيش السكان يومياً نتائج هذا التأخير.
كهرباء ومياه وصرف صحي.. خدمات لا تواكب العودة
لا تتوقف المشكلات عند الأنقاض. فقد أدى تضرر عدد من مراكز التغذية الكهربائية خلال سنوات الحرب إلى تحميل المراكز التي بقيت في الخدمة أحمالاً إضافية، ومع عودة السكان وارتفاع الاستهلاك تكررت الأعطال، وفق مختار الحي.
كما أدت سرقة بعض الكوابل واستبدالها بأخرى أقل قدرة على تحمل الأحمال إلى زيادة الضغط على شبكة الكهرباء. ويضاف إلى ذلك تقنين مياه الشرب، الذي يدفع بعض الأسر إلى شراء المياه من الصهاريج الخاصة، بتكلفة تصل إلى نحو 1300 ليرة لألف ليتر، بحسب سكان الحي.
أما الصرف الصحي، فيشهد أعمال تأهيل في عدد من الشوارع وترميماً للمصارف المطرية، في وقت ما تزال فيه الحاجة إلى توسيع هذه الأعمال قائمة لتغطية الأجزاء الأكثر تضرراً.
تحسن محدود لا يوازي حجم الاحتياجات
يقول مختار الحي إن واقع النظافة تحسن بنحو 20 بالمئة مع زيادة عدد العمال وتفريغ الحاويات يومياً، لكن الإمكانات الحالية لا تزال أقل من حاجة حي كثيف السكان. ويشير إلى أن الدفاع المدني أزال أنقاضاً من بعض الشوارع والأماكن العامة، فيما بدأت أعمال ترميم وتأهيل عدد من المنازل بالتزامن مع عودة الأهالي.
كما بدأت أعمال إعادة تأهيل للمنصف الممتد من دوار جسر الحج باتجاه إشارات بستان القصر، بالتعاون مع برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية، فيما يحضّر مجلس المدينة لمشروع لتزفيت شوارع بمساحة تقارب 27 ألف متر مربع.
وتأتي هذه الأعمال ضمن موجة أوسع لإزالة أنقاض الحرب في حلب، إذ أطلقت المحافظة حملات لإزالة الركام وفتح الطرق في عدد من الأحياء، لكن استمرار وجود الأنقاض في بستان القصر يوضح أن التعافي لا يسير بوتيرة واحدة بين منطقة وأخرى.
وفي حي يستعيد حياته تدريجياً، تبدو المشكلة أكبر من نقص حاوية أو إصلاح محولة كهرباء. فالسكان عادوا إلى منازلهم قبل أن تكتمل عودة الخدمات، وما تزال الدولة مطالبة بتحويل أعمال التأهيل المتفرقة إلى خطة واضحة تضع إزالة الركام، وإعادة بناء الشبكات، وتحسين النظافة والمياه والصرف الصحي في مسار واحد. وإلا سيبقى بستان القصر حياً يستعيد سكانه، من دون أن تستعيد بنيته الخدمية القدرة على استيعاب هذه العودة.
اقرأ أيضاً: الأحياء الشرقية في حلب تعاني من تردي الخدمات رغم الوعود الرسمية والمشاريع المعلنة