متقاعدون في دمشق عالقون بين طوابير التأمينات وبطء الإجراءات.. معاشات مؤجلة ومبنى ينهكه الزمن
لم تعد رحلة الحصول على المعاش التقاعدي في دمشق مجرد إجراء إداري روتيني، بل تحولت بالنسبة لكثير من المتقاعدين إلى اختبار يومي للقدرة على الصبر وتحمل الانتظار. بين طوابق مبنى قديم، وممرات مكتظة، وملفات تنتقل بين المكاتب، يجد كبار السن أنفسهم في مواجهة منظومة خدمية ما زالت تعمل بأدوات الماضي رغم تغير حجم الاحتياجات.
في فرع المؤسسة العامة للتأمينات الاجتماعية بدمشق، يستقبل المبنى ما بين 1500 وألفي مراجع يومياً، وفق إدارة الفرع، في وقت يشكو فيه المراجعون من أن الحصول على معاش أو إنجاز معاملة قد يتطلب أياماً طويلة من التنقل والانتظار.
معاش يتحول إلى رحلة استنزاف
وقف عماد شيخ الأرض، وهو ستيني يراجع المؤسسة منذ أشهر لإنجاز معاملة مرتبطة بمعاش شقيقه المتوفى، متنقلاً بين الأقسام بحثاً عن ملفه. يقول إن معاملته بدأت منذ آذار الماضي، لكنه لا يزال مطالباً بالعودة بشكل دوري، رغم ما يرافق ذلك من تكاليف تنقل وجهد جسدي.
أما مها داوود، التي جاءت لقبض معاش زوجها المتوفى، فتروي كيف اضطرت إلى الانتظار لساعات وسط ازدحام وقلة أماكن الجلوس وضعف التهوية. بالنسبة إليها، لا يتناسب حجم الإجراءات مع قيمة المعاش الذي لا يتجاوز 400 ألف ليرة سورية، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل من ريف دمشق إلى العاصمة.
وتشير إلى أن صعوبة الوصول إلى مراكز صرف قريبة من مناطق السكن تزيد العبء على كبار السن، في وقت لا تزال فيه خدمات إيصال المعاشات إلى المنازل محدودة.
مبنى قديم أمام أعداد متزايدة
لا يقتصر الخلل على الإجراءات، بل يمتد إلى المكان نفسه. مبنى الفرع، الذي دخل الخدمة عام 2002، لم يشهد منذ سنوات أعمال تأهيل جوهرية، وفق مدير الفرع بكار حسن بكور، الذي أقر بأن المصاعد متوقفة منذ أكثر من خمس سنوات بسبب قدمها، وأن استبدالها ينتظر استكمال الإجراءات المالية والفنية.
ويقول مراجعون إن تعطل المصاعد يمثل مشكلة إضافية لكبار السن وذوي الحالات الصحية، إذ يضطر بعضهم إلى صعود الطوابق سيراً على الأقدام لإنجاز معاملاتهم.
كما تواجه المؤسسة تحديات أخرى، بينها تقادم الأجهزة الحاسوبية وفقدان جزء من الأرشيف خلال سنوات الحرب، ما يضيف حلقات جديدة من التأخير إلى معاملات المواطنين.
وعود بالرقمنة أمام واقع متعثر
تؤكد إدارة الفرع أنها اتخذت إجراءات لتخفيف الضغط، بينها تفعيل النافذة الواحدة، ونقل خدمات المتقاعدين إلى الطابق الأرضي، والسماح للمرافقين بإنجاز بعض الإجراءات نيابة عن كبار السن.
كما تراهن المؤسسة على مشروع التحول الرقمي والأرشفة الإلكترونية لتقليل الحاجة إلى الحضور الشخصي وربط البيانات مع الجهات الحكومية الأخرى.
لكن هذه الخطط، التي تتكرر في العديد من القطاعات السورية، لا تزال تصطدم بفجوة واضحة بين الوعود والواقع اليومي للمواطنين. فبالنسبة للمتقاعد الذي ينتظر معاشه، لا تبدو الرقمنة حلاً قريباً بقدر ما تبدو وعداً مؤجلاً أمام مشكلة قائمة.
في بلد أنهكته سنوات الحرب وتراجعت فيه كفاءة المؤسسات العامة، يكشف مشهد طوابير التأمينات الاجتماعية أزمة أوسع تتجاوز ملف المعاشات؛ أزمة خدمات عاجزة عن مواكبة حاجات الناس، ومواطن يجد نفسه مضطراً لخوض سباق طويل للحصول على حق يفترض أن يصل إليه دون عناء.
اقرأ أيضاً: أزمة الرواتب التقاعدية في الحسكة.. معاناة تتجدد مع كل قرار إداري