الحسكة: توتر عربي كردي وسط خلافات حول اتفاق دمج «قسد» ومؤسسات الدولة
تشهد محافظة الحسكة شمال شرقي سوريا تصاعداً في التوتر بين المكوّنين العربي والكردي، على خلفية حملات التحريض عبر مواقع التواصل الاجتماعي، ووقوع اعتداءات متبادلة طاولت رموزاً قومية وممتلكات خاصة، بالتزامن مع استكمال خطوات تنفيذ اتفاق دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» ومؤسساتها ضمن مؤسسات السلطات الانتقالية السورية.
وتعيد التطورات الأخيرة في الحسكة تسليط الضوء على التحديات التي تواجه عملية الدمج، في ظل خلافات تتعلق بالتمثيل السياسي والأمني، ومكانة اللغة الكردية، ومستقبل الإدارة المحلية، فضلاً عن تباين المواقف العربية والكردية بشأن شكل الإدارة الجديدة وصلاحياتها.
أحداث الحسكة تعيد التوتر العربي الكردي إلى الواجهة
شهدت مدينة الحسكة خلال الأيام الماضية توتراً على خلفية مراسم رفع العلم السوري في الساحة الرئيسية للمدينة، يوم الخميس، وهي خطوة جاءت بالتزامن مع تسلّم مسؤولين أكراد مناصب قيادية، بينها منصب المحافظ، ودمج عناصر قوات الأمن الداخلي الكردية «الأسايش» مع قوى الأمن التابعة للسلطات الانتقالية.
وأثار رفع العلم السوري احتجاجات شارك فيها أفراد من القبائل العربية، تخللتها أعمال تخريب طاولت بعض الرموز الكردية، بينها لافتات وصور، وفق المعلومات الواردة. وفي المقابل، خرجت تظاهرات كردية مضادة، شهدت رشق الحجارة باتجاه قوات الأمن، التي ردّت بإطلاق النار في الهواء.
وتواصلت، خلال الأيام التالية، حملات التحريض والتهديد عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبعض المنابر الإعلامية، بالتزامن مع تسجيل حوادث رشق بالحجارة وتحطيم سيارات، وسط غياب حصيلة رسمية شاملة للمصابين.
وذكرت مصادر متقاطعة أن ثلاثة مواطنين أكراد أُصيبوا بإطلاق نار أثناء وجودهم في سيارة ترفع العلم الكردي، فيما سُجلت إصابة أحد عناصر الأمن.
اتفاق دمج «قسد» يواجه تحديات أمنية وسياسية
تعود جذور التوتر الحالي إلى الخلافات التي رافقت تنفيذ اتفاق 10 آذار/مارس 2025، الذي نص على دمج قوات سوريا الديمقراطية «قسد» في مؤسسات الدولة السورية.
وشهدت المرحلة اللاحقة تطورات أمنية وسياسية متباينة، قبل التوصل إلى اتفاق جديد في 29 كانون الثاني/يناير 2026، في إطار مساعي تنظيم العلاقة بين الطرفين واستكمال عملية الدمج.
لكن التطورات الأخيرة في الحسكة أظهرت أن تنفيذ الاتفاق لا يقتصر على إعادة ترتيب المؤسسات الإدارية والأمنية، بل يرتبط أيضاً بخلافات حول النفوذ المحلي والحقوق القومية والتمثيل داخل مؤسسات الدولة.
وتشير قراءات محلية إلى أن بعض أبناء المكوّن العربي يخشون تراجع نفوذهم السابق، في حين يشعر أكراد بأن المكتسبات التي تحققت خلال سنوات الحرب، بما فيها الإدارة الذاتية والمؤسسات الأمنية المرتبطة بها، أصبحت مهددة بفعل عملية الدمج.
وتزيد هذه المخاوف من صعوبة التوصل إلى تفاهمات مستقرة، خصوصاً في ظل استمرار الخطاب القومي المتشدد لدى بعض الأطراف.
السلطات السورية تتحرك لاحتواء التوتر في الحسكة
في مواجهة التطورات الأمنية، أعلنت قيادة الأمن الداخلي في الحسكة تعزيز انتشار قواتها وتسيير دوريات إضافية، متحدثةً عن قيام مسلحين خارجين عن القانون بإطلاق النار وإثارة الفوضى.
من جهته، أكد محافظ الحسكة نور الدين أحمد أن التعبير عن المطالب حق مشروع، لكنه شدد على رفض أعمال التخريب والاعتداء على الممتلكات والرموز.
واعتبر المحافظ أن مراسم رفع العلم السوري تهدف إلى تأكيد وحدة البلاد واستكمال عملية الدمج، متهماً أطرافاً لم يسمّها بمحاولة استغلال المشاعر القومية وعرقلة تنفيذ الاتفاق.
ولم يتطرق المحافظ بصورة مباشرة إلى الاعتداءات التي طاولت الرموز الكردية، كما لم يحدد الجهات المسؤولة عنها، وفق التصريحات الواردة.
إلهام أحمد تتمسك بالحقوق الكردية وسط أحداث الحسكة
في المقابل، وصفت إلهام أحمد، المسؤولة السابقة في الإدارة الذاتية، الأحداث بأنها محاولة لإثارة فتنة ضد الأكراد، مؤكدة استمرار التنسيق الأمني والسياسي مع السلطات الانتقالية لاحتواء التوتر.
وشددت أحمد على أهمية تثبيت الحقوق الكردية، بما يشمل اللغة الكردية وضمان حضورها في الدستور السوري، في ظل النقاشات المتعلقة بمستقبل المؤسسات المحلية وطبيعة الإدارة في شمال شرقي البلاد.
وتعكس هذه المطالب جانباً من الخلافات التي لا تزال قائمة بشأن الضمانات السياسية والثقافية التي ينبغي أن ترافق عملية دمج المؤسسات، ومدى قدرة الاتفاقات الموقعة على معالجة مخاوف المكوّن الكردي.
ما دور مظلوم عبدي في احتواء التوتر العربي الكردي؟
يلفت الصمت العلني للقائد العام السابق لقوات سوريا الديمقراطية مظلوم عبدي، الذي عُيّن مستشاراً رئاسياً في 28 آب/أغسطس الماضي، الانتباه إلى طبيعة الدور الذي يمكن أن يؤديه في المرحلة المقبلة.
ولم يصدر عن عبدي، وفق المعلومات الواردة، موقف علني مباشر بشأن أحداث الحسكة الأخيرة، رغم أهمية التطورات بالنسبة إلى الملف الكردي ومستقبل العلاقة بين قوات سوريا الديمقراطية والسلطات الانتقالية.
وتطرح الأحداث تساؤلات بشأن مدى قدرة منصبه الجديد على التأثير في معالجة الخلافات الأمنية والسياسية، وما إذا كان سيؤدي دوراً عملياً في التوصل إلى تفاهمات تضمن استقرار المحافظة، أم سيبقى دوره محصوراً في الجانب السياسي والتمثيلي.
اللغة الكردية وتوزيع المناصب من أبرز الملفات العالقة
لا يقتصر التوتر في الحسكة على الأحداث الأخيرة، بل يرتبط بمجموعة من الملفات التي لا تزال بحاجة إلى حلول ضمن اتفاق دمج المؤسسات، أبرزها:
- الحقوق اللغوية والثقافية: مستقبل تدريس اللغة الكردية ومكانتها في المؤسسات الرسمية والدستور.
- توزيع المناصب: آليات إسناد الوظائف الإدارية والأمنية وضمان التمثيل المحلي.
- الملف الأمني: تنظيم عمل القوات المدمجة وتحديد الصلاحيات والمسؤوليات.
- المعتقلون والمفقودون: معالجة الملفات العالقة المرتبطة بسنوات الصراع.
- الإدارة المحلية: تحديد صلاحيات المسؤولين المحليين وشكل العلاقة بين المحافظة والسلطات المركزية.
وكانت الحسكة قد شهدت في أيار/مايو الماضي احتجاجات على خلفية استبدال اللوحة التعريفية للقصر العدلي، التي كانت مكتوبة باللغتين العربية والكردية، بأخرى خلت من اللغة الكردية. ورغم معالجة تلك الحادثة لاحقاً، فإنها أظهرت حساسية القضايا المرتبطة بالهوية واللغة والرموز المحلية.
هل تهدد أحداث الحسكة مستقبل اتفاق دمج «قسد»؟
تكشف التطورات الأخيرة أن عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ومؤسساتها تواجه تحديات تتجاوز الترتيبات الإدارية والأمنية، لتشمل قضايا الهوية والحقوق القومية والثقة المتبادلة بين المكوّنين العربي والكردي.
ويجعل استمرار حملات التحريض والاعتداءات المتبادلة أي خلاف إداري أو رمزي قابلاً للتحول إلى توتر أمني أوسع، خصوصاً في ظل الملفات العالقة المتعلقة باللغة والتمثيل السياسي والصلاحيات المحلية.
وبينما تسعى السلطات الانتقالية وممثلو الإدارة الكردية إلى احتواء التصعيد، يبقى نجاح اتفاق الدمج مرتبطاً بقدرة الأطراف المعنية على معالجة الخلافات القائمة، وضمان الحقوق، وتحديد المسؤوليات، ومنع استغلال التباينات القومية لتأجيج المواجهات في محافظة الحسكة.
إقرأ أيضاً: إلهام أحمد: اندماج قسد في الجيش السوري يحقق مكاسب جزئية وحقوق الكرد تنتظر التنفيذ
إقرأ أيضاً: التوتر في الحسكة بعد رفع العلم السوري.. السلم الأهلي ودمج المؤسسات أمام اختبار الثقة