المطاعم في سوريا بلا أسعار.. فواتير مفاجئة ورقابة حكومية لا تمنع المخالفات
يدخل الزبون بعض المطاعم والمقاهي في سوريا وهو يعرف ما يريد أن يأكل، لكنه لا يعرف كم سيدفع. قوائم أنيقة تعرض صور الأطباق وأسماءها، فيما يغيب الرقم الأكثر أهمية بالنسبة إلى المستهلك: السعر. وعند وصول الفاتورة، يجد بعض الزبائن أنفسهم أمام مبالغ تتجاوز حساباتهم، في مشهد لا يتعلق فقط بسوء تجربة فردية، بل بحق أساسي في معرفة كلفة الخدمة قبل الحصول عليها.
ورغم أن القوانين السورية تلزم المنشآت بإعلان أسعار السلع والخدمات بصورة واضحة، فإن تفاوت الالتزام يكشف فجوة بين النصوص والرقابة من جهة، وما يواجهه المستهلك فعلياً داخل المطاعم من جهة أخرى. وبينما تؤكد الجهات الرسمية استمرار الجولات وتنظيم الضبوط، لا تزال قوائم غير مسعرة تظهر في السوق، فيما يبقى الزبون الحلقة الأضعف عندما يطلب وجبة لا يعرف ثمنها مسبقاً.
فاتورة تتجاوز قدرة الزبون
تروي رؤى السرحان، وهي ربة أسرة من دمشق، أنها قصدت مع زوجها وأطفالها الثلاثة أحد المطاعم في المزة، لتجد قائمة طعام خالية من الأسعار. وعندما حاولت الاستفسار عن كلفة الوجبات، جاءها رد عام بأن الأسعار “معقولة ومناسبة للجميع”.
تقول إنها دخلت المطعم وهي تضع في حساباتها نحو 500 ألف ليرة، لكنها فوجئت بفاتورة تجاوزت المليون، أي أكثر من ضعف المبلغ الذي توقعته.
وتقول إن التجربة جعلتها تتجنب أي منشأة لا تعرض أسعارها مسبقاً، بعدما تحولت الأمسية العائلية إلى مصدر قلق مالي بدلاً من أن تكون مساحة للترفيه.
وتكرر الأمر مع ليلى العمري، وهي أم لأربعة أطفال، ادخرت من عملها في صناعة الألبان والأجبان طوال شهر لتأمين عشاء عائلي. اختارت مطعماً في منطقة راقية اعتماداً على صور منشورة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، لكنها فوجئت عند وصولها بأن القائمة لا تتضمن الأسعار.
لم ترغب في إحراج أطفالها بالسؤال عن ثمن كل طبق، فتركَتهم يختارون ما يريدون. وعند صدور الفاتورة، تجاوز المبلغ ما ادخرته خلال شهر كامل، واضطرت إلى دفع ما معها ومغادرة المطعم.
تقول ليلى إن الفاتورة لم تستنزف مدخراتها فحسب، بل أجبرتها على إعادة ترتيب نفقات الشهر وتأجيل احتياجات أخرى لأطفالها.
وفي حلب، يروي أحمد الفوزي، الموظف في شركة خاصة، تجربة مشابهة مع زملائه في مطعم بحي صلاح الدين. اختاروا وجبات متوسطة من قائمة لا تحمل أسعاراً، قبل أن يفاجأوا بفاتورة أعلى بكثير من توقعاتهم. حاول الاعتراض، لكنه لم يجد مرجعية واضحة يستطيع من خلالها التحقق من الأسعار، فدفع المبلغ لتجنب الإحراج.
القانون واضح.. لكن التطبيق أقل وضوحاً
تنص التشريعات السورية على إلزام المنشآت بإعلان أسعار السلع والخدمات بوضوح. وكان القرار رقم 767 الصادر في تشرين الأول 2025 قد ألزم الفعاليات التجارية بإظهار السعر النهائي للمستهلك، فيما شدد قرار آخر صدر في كانون الأول من العام نفسه العقوبات على مخالفي الإعلان عن الأسعار، بدءاً من الغرامة وصولاً إلى الإغلاق المؤقت عند تكرار المخالفة.
كما يؤكد مدير مديرية حماية المستهلك وسلامة الغذاء حسن الشوا أن الجولات الرقابية مستمرة، وأن عدم الالتزام بإعلان الأسعار مخالفة تستوجب المساءلة، داعياً المواطنين إلى تقديم الشكاوى عبر قنوات الرقابة المتاحة.
ويؤكد مدير مديرية القياس والجودة زياد البلخي أن المنشآت السياحية ملزمة بتقديم قائمة خدمات مسعرة للضيف، وأن عدم وجودها أو عدم تقديمها للزبون يعرض المنشأة للمخالفة والغرامات والإغلاق عند التكرار.
لكن استمرار الشكاوى يضع هذه الرقابة أمام سؤال يتعلق بفاعليتها لا بوجودها. فالقانون الذي لا يمنع المخالفة قبل وقوعها، ولا يضمن للزبون معرفة السعر في اللحظة التي يطلب فيها الخدمة، يظل أقل تأثيراً من النص الذي يفترض أن يكون عليه.
المستهلك أمام فجوة قانونية وعملية
يوضح المحامي عمار طكو أن قانون حماية المستهلك رقم 14 لعام 2015 وتعديلاته يلزم الموردين والبائعين بإعلان الأسعار، فيما حددت قرارات وزارية لاحقة التزامات المطاعم والمقاهي، ومنها عرض قائمة أسعار واضحة ومختومة رسمياً، وتسليم فاتورة مفصلة عند طلبها.
ويشير إلى أن المستهلك يستطيع تقديم شكوى إلى مديريات حماية المستهلك، كما يمكن أن تترتب مسارات جزائية ومدنية في الحالات التي تستدعي ذلك.
غير أن معرفة الحق القانوني لا تعني بالضرورة القدرة العملية على تحصيله. فالزبون الذي يجلس أمام عائلته أو زملائه، ويكتشف أن القائمة بلا أسعار، يجد نفسه مضطراً إلى الاختيار بين مغادرة المكان، أو السؤال عن كل صنف، أو المخاطرة بفاتورة لا يعرف حجمها.
الأعذار التقنية لا تلغي حق المعرفة
في المقابل، يقول أصحاب بعض المنشآت إنهم يواجهون مشكلات مرتبطة بتحديث القوائم أو الأنظمة الإلكترونية. ويذكر حسن دغيم، مدير مجمع قرطبة السياحي في ريف إدلب، أن جميع الأصناف مسعرة، لكن المنشأة تعتمد على قائمة إلكترونية عبر رمز QR بسبب تأخر تحديث القائمة الورقية وتغير الأصناف.
ويرى دغيم أن بعض الزبائن قد لا يعرفون كيفية فتح القائمة الإلكترونية، مؤكداً أن بإمكان العاملين مساعدتهم في الوصول إليها.
كما يتحدث عن أعباء أخرى تواجه المنشآت، من انقطاع الكهرباء إلى تأمين المياه والإنترنت والخدمات الأساسية، معتبراً أن ضعف الدعم والتعقيدات الإدارية يزيدان الضغط على المستثمرين.
وتؤكد هذه الشكاوى من جانب المنشآت أن المشكلة أوسع من مجرد كتابة رقم إلى جانب طبق؛ فهي تتصل أيضاً بقدرة القطاع على العمل ضمن بيئة خدمية مستقرة. لكن ذلك لا يلغي جوهر المسألة: السعر يجب أن يكون معروفاً للزبون قبل أن يطلب الخدمة، لا بعد أن تصبح الفاتورة أمراً واقعاً.
وفي ظل تكرار التجارب، تبدو المشكلة في سوريا أقل ارتباطاً بغياب القوانين وأكثر اتصالاً بقدرة المؤسسات على فرضها بصورة متسقة. فالمستهلك لا يحتاج إلى نص قانوني يعرفه بعد وقوع الضرر، بل إلى رقابة تمنع المخالفة من الأساس، وإلى منشأة تدرك أن الشفافية جزء من الخدمة وليست خياراً إضافياً.
وحين تصبح قائمة الأسعار غائبة، يصبح الزبون هو من يدخل المطعم وهو يجهل كلفة وجبته، ويغادره وهو يحاول تفسير فاتورة لم يكن يملك منذ البداية الأدوات اللازمة للتحقق منه
اقرأ ايضاً: غلاء الفروج في سوريا.. من يحصد الأرباح الأكبر بين المربي والمطاعم؟