أسعار العقارات في سوريا تقفز 150%.. مضاربة وعودة للنازحين وحكومة بلا سياسة سكنية
قفزت أسعار العقارات في معظم المحافظات السورية خلال الأشهر الماضية بنسب تراوحت بين 100 و150 بالمئة، وفق مصادر أهلية ووسطاء عقاريين. لكن الارتفاع لا يبدو انعكاساً لحركة بيع وشراء تتناسب مع هذه القفزة؛ إذ تتحدث مصادر في السوق عن أسعار معلنة تفوق بكثير قيم الصفقات الفعلية، في مشهد يكشف سوقاً مضطربة تتحرك فيها المضاربة أسرع من قدرة الأسر السورية على تأمين السكن.
في دمشق، يبلغ متوسط سعر المتر الجاهز للسكن نحو 2500 دولار في المزة وكفرسوسة وأبو رمانة، وينخفض إلى نحو 1500 دولار في برزة والميدان، فيما لا يقل عن 800 دولار في مناطق مثل جرمانا وقدسيا. وفي ريف دمشق، تراوح سعر المتر على الهيكل في عدد من مراكز المدن بين 350 و600 دولار، بينما تتجاوز الأسعار في بعض مشاريع التطوير العقاري ألف دولار للمتر.
هذه المستويات لا تعكس فقط ارتفاع قيمة العقار، بل تكشف اتساع أزمة السكن في بلد تراجعت فيه القدرة الشرائية، وارتفعت تكاليف البناء، وتضررت أعداد كبيرة من الوحدات السكنية خلال سنوات الحرب.
أسعار معلنة وسوق شبه متوقف
يقول الوسيط العقاري وسيم الزاهر إن جزءاً من الأسعار المتداولة “وهمي”، في ظل ضعف عمليات البيع والشراء، ويربط القفزات السعرية بالمبالغة في تقييم العقارات وغياب الرقابة الحكومية.
ويتفق الخبير الاقتصادي سمير طويل مع وجود فجوة بين الأسعار المعلنة والأسعار الحقيقية للصفقات، مشيراً إلى دور المكاتب العقارية والسماسرة في رفع الأسعار. لكنه يربط الارتفاع أيضاً بعودة اللاجئين والمهجرين، وبشراء سوريين مقيمين خارج البلاد عقارات عبر أقارب ووسطاء، في وقت بقي فيه المعروض السكني محدوداً.
ويزيد المشهد تعقيداً غياب مخططات تنظيمية واضحة، ولا سيما في ريف دمشق، حيث ما تزال أسئلة أساسية معلقة بشأن الأبنية المتضررة: أيها سيُرمم؟ وأيها سيُهدم؟ وأين ستقام المساكن الجديدة؟ ومن يحدد مستقبل المناطق التي عاد إليها السكان؟
ثلاثة محركات تضغط على السوق
يرى الباحث في التنمية المستدامة رفعت عامر أن اتساع الفجوة بين الطلب والعرض يمثل العامل الأول في ارتفاع الأسعار. فعودة سوريين من تركيا ولبنان والأردن ودول أخرى، إلى جانب عودة النازحين إلى مناطقهم، رفعت الحاجة إلى السكن، بينما لم ينمُ المعروض بالمعدل نفسه.
لكن المعروض المتاح لا يعني بالضرورة مساكن صالحة للسكن؛ فجزء من الوحدات يحتاج إلى ترميم، وأخرى تفتقر إلى الخدمات، فيما تواجه عقارات عديدة نزاعات على الملكية أو نقصاً في الوثائق، ما يقلل قدرتها على الدخول سريعاً إلى السوق.
العامل الثاني هو ارتفاع تكاليف الإنشاء. فأسعار مواد البناء والطاقة والنقل والأجور تجعل تكلفة بناء متر جديد أعلى، ما يدفع ملاك العقارات إلى رفع الأسعار، حتى عندما لا تعكس الزيادة ارتفاعاً مماثلاً في القيمة الحقيقية للعقار.
أما العامل الثالث فيرتبط بالسيولة المتراكمة خارج النظام المصرفي. وفي اقتصاد يفتقر إلى سوق مالية متطورة، وتضعف فيه الثقة بالقطاع المصرفي وتتقلص فرص الاستثمار المنتج، يصبح العقار وسيلة لحفظ الأموال ومجالاً ملائماً للمضاربة، وفق عامر.
الحكومة غائبة عن سوق السكن
المشكلة لا تتوقف عند المضاربة، بل تمتد إلى غياب سياسة عامة قادرة على ضبط سوق يتصل مباشرة بأحد أكثر احتياجات السوريين إلحاحاً.
وعندما حاولت “المدن” الحصول على موقف حكومي من الإجراءات المرتقبة، أحالت وزارة الإدارة المحلية الملف إلى وزارة الإسكان، بينما أعادت وزارة الإسكان الإحالة إلى الإدارة المحلية. هذا التبادل في المسؤولية يقدم صورة واضحة عن غياب جهة حكومية تتعامل مع الملف باعتباره أزمة متكاملة تحتاج إلى قرار وسياسة وأدوات تنفيذ.
ويقترح طويل إنشاء هيئة رقابية حكومية تضع ضوابط للسوق، إلى جانب برنامج لإسكان المهجرين وإعادة إعمار المناطق المتضررة وإقرار مخططات تنظيمية جديدة.
لكن ضبط الأسعار وحده لن يحل الأزمة، بحسب عامر؛ فزيادة الأبنية الفاخرة لا تعني زيادة المساكن التي تستطيع الأسر السورية تحمل تكلفتها. المطلوب توسيع المعروض السكني القابل للاستخدام، وإعادة تأهيل الوحدات المتضررة، وتشجيع الإيجار طويل الأجل، وتأمين الخدمات وحماية الملكية والحد من الاحتكار والمضاربة.
في المدى القصير، لا تبدو العودة إلى الأسعار السابقة واقعية في ظل التضخم وارتفاع تكاليف البناء. لكن إبطاء الارتفاع، ورفع شفافية الصفقات، والحد من المضاربة، وحماية الأسر الأكثر تضرراً، كلها أهداف يمكن أن تبدأ بها سياسة سكنية واضحة.
أما استمرار ترك السوق للوسطاء والإعلانات والأسعار المتضخمة، فيعني أن السكن سيبقى يتحول تدريجياً من حاجة أساسية إلى أصل مرتفع الكلفة، بينما تقف المؤسسات الحكومية على هامش أزمة تمس ملايين السوريين مباشرة.
اقرأ أيضاً: سوق العقارات في دمشق ينتقل إلى السوشال ميديا.. المالك يستغني عن الدلال