أنقرة تخلي بعضاً من نقاطها في الشمال السوري.. لكن ما هو المشروع التركي في سوريا..؟
داما بوست - يمان العبود
تقوم القوات التركية بإخلاء بعض النقاط الفرعية التي تمركزت فيها في مناطق شمال وشمال غرب سوريا بشكل متتالٍ، وفي آخر تطورات هذا الملف أخلت القوات التركية قاعدتها في “تل الصندل”، بالقرب من قرية زردنا التابعة لناحية معرة مصرين بريف إدلب، وسبق ذلك أن اخلت مجموعة من النقاط في عفرين وجنديرس ومناطق أخرى، وتعود حكاية الانتشار التركي في الداخل السوري إلى العام 2017 الذي أقر ما عرف حينها باتفاق مناطق خفض التصعيد الذي نتج عن مسار أستانا برعاية كل من تركيا وروسيا وإيران، والذي مكّن نظام بشار الأسد حينها من استعادة السيطرة على مناطق واسعة من الأراضي السورية التي كانت خارج سيطرته، إلا أن عملية سقوط النظام التي حدثت نتيجة توافق دولي على ذلك أسهمت فيه روسيا بالدور الأكبر، سمح للأتراك بالتوسع في الملف السوري، وباتت أنقرة اليوم تبحث عن إنشاء قواعد عسكرية مستدامة مع سيطرتها غير المعلنة على كامل المؤسسات العسكرية والأمنية في سوريا.
إقرأ أيضاً: غارات جوية مجهولة تستهدف مطار أبو الظهور العسكري في ريف إدلب الشرقي
وتفيد المعلومات التي حصلت عليها شبكة “داما بوست”، بأن الانسحاب التركي مما تسميه أنقرة بـ “النقاط الفرعية”، يأتي لتعزيز النقاط الأكبر والمحصنة بشكل أكثر أمناً للقوات التركية، كما أن أنقرة تجد اليوم أن عملية نشر قواتها ضمن نقاط المراقبة السابقة لم تعد مفيدة بالنسبة للمشاريع التركية في الداخل السوري ولذلك تعمل حالياً على تعزيز القواعد المتوسطة الحجم، والتأسيس للوجود المستدام في قواعد بارزة، علماً أن مركز قيادة القوات التركية حالياً يقع في مطار حماة العسكري، كما تعمل على أن يكون وجودها في قواعد جوية أخرى مهمة مثل “التيفور – الشعيرات – السين – أبو الظهور – منغ – الجزء العسكري من مطار دمشق”، وجوداً مستداما من خلال تعزيز قواتها ونشر أنظمة دفاع جوي وتدريب القوات السورية المتواجدة في هذه القواعد، مع الإشارة هنا إلى أن كل القواعد التي ستتواجد فيها القوات التركية ستكون مقسومة بين الجانبين السوري والتركي، على إن الوجود السوري في معظمها سيكون وجوداً شكلياً وبقصد الحماية والتأمين، إضافة إلى خضوع بعض عناصر القوات السورية الجديدة لدورات تدريبية ضمن هذه القواعد.
ولا يبدو المشروع التركي في الداخل السوري ملفاً سورياً داخلياً أو عملية تشاركية عسكرية ثنائية بين دمشق وأنقرة وحسب، بل هو مشروع يمكن أن يغير موازين القوى في الشرق الأوسط عموما، إذ يعتبر التمدد التركي في الداخل السوري تمدداً لحلف شمال الأطلسي كون أنقرة جزءاً من هذا الحلف، وعلى الرغم من عمق العلاقة بين الرئاسة التركية الحالية والإدارة الأمريكية وتصاعد التقارب بين الطرفين، إلا أن الانتشار التركي لا يطمئن “إسرائيل”، إذ يعد عائقاً أمام المشاريع التوسعية للكيان في الداخل السوري ويخلق التنافس التركي – الإسرائيلي حالةً من التوتر التي قد تنعكس سلباً على دمشق التي ستجبر في نهاية الأمر أن تقدم تنازلات ضخمة خلال المفاوضات الأمنية مع “إسرائيل” لتقبل الأخيرة بالانتشار التركي الذي تعتبره دمشق ضمانة كبرى لاستقرار الحكم بشكله الحالي، ويؤمن للقيادة السورية الجديدة كل الظروف المناسبة لتسير بالعملية الانتقالية بما يفضي إلى إنهاء كل التهديدات، والقوى السياسية والعسكرية المنافسة للتيار الحاكم حالياً، والمتمثل بـ “هيئة تحرير الشام”، بوصفها التكتل الجامع للممسكين بـ مفاصل الدولة.
كما إن الوجود التركي في الداخل السوري وتوسعه يسبب إضعافاً للموقف الروسي، وكانت الحكومة التركية هي التي رعت المفاوضات بين الطرفين، ووضعت فعلياً الشروط السورية خلال عملية التوصل لاتفاق بين موسكو ودمشق حول مستقبل القاعدتين الروسيتين (البحرية – الجوية)، كما علمت “داما بوست”، أن الجانب التركي هو من أوقف اتفاقاً بين دمشق وموسكو على انتشار “الشرطة العسكرية الروسية”، في نقاط مراقبة ضمن مناطق الجنوب السوري، وتمكنت أنقرة من فعل ذلك من خلال التواصل المباشر مع كل من أمريكا والسعودية، على الرغم من إن “إسرائيل” كانت قد دفعت بهذا الاتفاق، والسبب المباشر لمثل هذا التصرف التركي كان ضمان ألا تجد دمشق حلفاء فعليين على الأرض يمكن أن يقدموا لها الدعم العسكري واللوجستي المباشر لحماية الحكم، ما يجبر النظام الجديد على أن يتمسك أكثر بخيار الانصياع الكامل للرغبات التركية، ما يعني أن أنقرة اليوم باتت تمسك بكامل العملية السياسية والملفات الأمنية في الداخل السوري.
إقرأ أيضاً: سوريا في قلب التصعيد الإقليمي: بين مطرقة المواجهة وضغط إعادة بناء الدولة
إقرأ أيضاً: التنافس التركي – الإسرائيلي يتزايد في سوريا.. أنقرة تحكم دمشق فعلياً