سوريا في قلب التصعيد الإقليمي: بين مطرقة المواجهة وضغط إعادة بناء الدولة
تتزايد التساؤلات والتحليلات السياسية حول موقع سوريا في حال تجدد المواجهة بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة، وإيران من جهة أخرى.
تأتي هذه المخاطر في وقت تمر فيه دمشق بمرحلة معقدة وحساسة تتركز فيها الأولويات الوطنية على إعادة بناء المؤسسات، وتشكيل الجيش السوري، وترسيخ السيادة الوطنية بعد تغيرات سياسية وميدانية واسعة شهدتها البلاد عقب سقوط النظام السابق.
1. أولوية الداخل: إعادة بناء المؤسسات والجيش السوري
تجمع التقديرات الصحفية والتحليلية على أن السعي إلى تحييد الجغرافيا السورية يمثل خياراً استراتيجياً للحكومة السورية برئاسة أحمد الشرع، وذلك لعدة أسباب جوهرية:
-
إعادة هيكلة المؤسسة العسكرية: يخوض الجيش السوري رحلة إعادة بناء وتأهيل متواصلة لاستكمال بنيته القتالية وصنوف قواته (الدفاع الجوي، المدرعات، والوحدات المتخصصة).
-
الفجوة في التسليح: تعرضت أجزاء واسعة من الترسانة العسكرية والمنشآت الحيوية لدمار حاد جراء الضربات الإسرائيلية المتكررة بعد سقوط نظام بشار الأسد، مما يجعل التفوق الجوي والنوعي يميل لصالح القوى الإقليمية.
-
التركيز على الجبهة الداخلية: تفرض تحديات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار وضع الاستقرار الداخلي فوق أي انخراط في صراعات استنزافية خارجية.
2. سيناريوهات الضغط العسكري: الجبهتان الشرقية والجنوبية
يحذر خبراء ومحللون سياسيون من أن الخطر الأكبر لا يكمن في اشتعال جبهة واحدة، بل في تعرض الأراضي السورية لضغوط متزامنة على محورين رئيسيين:
أ. الجبهة الجنوبية (الحدود مع إسرائيل والجولان):
-
الهدف الإسرائيلي: منع إعادة تأسيس أي بنية عسكرية إيرانية أو نقل أسلحة عبر الأراضي السورية، وتثبيت الترتيبات الأمنية على الحدود الشمالية.
-
التكتيك المتوقع: تكثيف الضربات الجوية الاستباقية والجهود الاستخباراتية ضد مستودعات الذخيرة، ومراكز القيادة، وشبكات الاتصال.
ب. الجبهة الشرقية (الحدود مع العراق والتنف):
-
الهدف الأمريكي والإيراني: تمثل الحدود الشرقية خط الإمداد البري الرئيسي والساحة التي قد تحاول فيها الفصائل المسلحة المرتبطة بطهران إعادة فرض حضورها الإقليمي.
-
التكتيك المتوقع: تركيز القوات الأمريكية على تأمين القواعد العسكرية (مثل منطقة التنف وشرق الفرات) وقطع خطوط التمويل والإمداد.
3. أدوات دمشق لمواجهة الأزمة وتحييد الأراضي السورية
لتجنب تحول سوريا إلى مسرح لتبادل الرسائل النارية، تعتمد القيادة السورية على مجموعة من الأدوات السياسية والأمنية:
-
الدبلوماسية المكثفة: إجراء اتصالات مستمرة مع الأطراف الإقليمية والدولية لمنع استغلال الأراضي السورية في أي صراع مسلح.
-
إعادة توزيع الدفاعات: حماية المنشآت السيادية والحيوية، وتفعيل الرقابة الاستخباراتية على محاور الحركة والمنافذ الحدودية.
-
المناورة السيادية: ربط أي ترتيبات أمنية مستقبلية بفرض السلطة الكاملة للدولة على الجنوب السوري وطرح ملف استعادة الجولان المحتل ضمن التفاهمات الدولية.
4. الخطوط الحمراء ومستقبل مناطق النفوذ
على الرغم من ترجيح سيناريو إعادة التموضع الميداني دون حدوث تغييرات جذرية في خارطة السيطرة، فإن الاستراتيجية السورية قد تشهد تحولاً اضطرارياً في حالات محددة تُعد خطوطاً حمراء:
-
التعرض لضربات استراتيجية واسعة تستهدف تعطيل القدرات الدفاعية للدولة كلياً.
-
تنفيذ عمليات توغل بري واسعة تشكل تهديداً مباشراً لسيادة العاصمة ومراكز الحكم.
-
الاستهداف المنهجي والمنظم للمؤسسات السيادية والأمنية للدولة.
الخلاصة
يبقى انخراط سوريا في أي مواجهة إقليمية أمراً يستبعده المراقبون في الوقت الراهن؛ فالأولوية الوطنية القصوى تكمن في حماية الاستقرار، وبناء الدولة، واستعادة السيادة، ما لم تُفرض على البلاد ظروف قاهرة تهدد أمنها القومي بشكل مباشر.
إقرأ أيضاً: هل ترسم سوريا وواشنطن خارطة أمنية جديدة لتطويق حزب الله؟
إقرأ أيضاً: ترامب مصرٌ على إشعال حرب جديدة.. المعركة مع حزب الله واحتمالاتها