مستشفيات إدلب المدمّرة.. عودة السكان تسبق عودة القطاع الصحي

في إدلب، لم تنتهِ الحرب فبعض آثارها ما زالت تعمل يومياً، لكن هذه المرة داخل غرف الإسعاف والمراكز الصحية التي فقدت قدرتها على استقبال المرضى. فبينما تتسارع عودة السكان إلى مدن وبلدات المحافظة، لا تزال منظومتها الصحية تحاول ترميم ما تهدّم، وسط فجوة تتسع بين حجم الاحتياجات وقدرة الحكومة السورية الانتقالية على الاستجابة.

وأظهر تقييم ميداني وجود 119 منشأة صحية متضررة، بينها 22 مستشفى و97 مركزاً ومستوصفاً، بكلفة تقديرية تصل إلى 16.77 مليون دولار. وتحتاج 78 منشأة إلى ترميم كامل، فيما تتطلب 22 منشأة ترميماً جزئياً، بينما تحتاج 8 منشآت إلى الهدم وإعادة البناء و11 أخرى إلى إنشاء جديد.

عودة الأهالي.. والخدمات لا تعود

تتوزع الأضرار على مناطق عدة، تتقدمها جبل الزاوية بـ30 منشأة، ثم معرة النعمان بـ24، ومدينة إدلب بـ22، وجسر الشغور بـ15 منشأة.

لكن الأرقام لا تختصر المشكلة. ففي معرة النعمان وجسر الشغور، أدى خروج المستشفيات الرئيسية عن الخدمة إلى تحويل نقص الرعاية إلى عبء يومي على السكان. ويضطر المرضى في بعض الحالات إلى قطع عشرات الكيلومترات بحثاً عن اختصاص أو عملية أو سرير، في وقت لا تملك فيه كثير من الأسر رفاهية تحمل كلفة النقل والعلاج معاً.

وتبدو المفارقة أكثر قسوة في مدينة معرة النعمان، حيث لا يزال المستشفى الوطني خارج الخدمة، رغم عودة السكان وتزايد الحاجة إلى الرعاية الثانوية. أما في جسر الشغور، فقد تقلصت الخدمات بعد إغلاق منشآت صحية كانت تسد جزءاً من الفراغ، لتصبح إعادة المستشفى الوطني إلى الخدمة مطلباً يتكرر أمام عجز التمويل والإمكانات.

مستشفيات تعمل بنصف قدرتها

المشكلة لا تتوقف عند الأبنية المدمرة. فحتى المنشآت التي بقيت قائمة تواجه نقصاً في الكوادر والتمويل والتجهيزات.

ويعمل مستشفى أرمناز، وفق مديره، بنحو 30 بالمئة من طاقته، مع توقف أقسام العمليات والعناية بسبب نقص الأطباء والفنيين، ولا سيما كوادر التخدير والعمليات. ونتيجة لذلك تراجعت أعداد المراجعين، فيما تُحال الحالات الحرجة والجراحية إلى مدينة إدلب.

وهكذا تتحول المنشأة الصحية من مساحة للعلاج إلى محطة فرز: ما يمكن علاجه يبقى، وما يحتاج إلى إمكانات أكبر يُرسل بعيداً.

خريطة جديدة.. وفجوة قديمة

تحاول مديرية صحة إدلب إعداد خريطة جديدة تقوم على توزيع المستشفيات وفق الكثافة السكانية والجغرافيا، مع تأهيل مستشفى معرة النعمان، وترميم مستشفى بليون، ودراسة إعادة مستشفى جسر الشغور الوطني ومستشفى التحرير إلى الخدمة.

لكن إعادة رسم الخريطة الصحية لا تعني بالضرورة امتلاك القدرة على تنفيذها. فالكلفة المقدرة للتأهيل، والتي تتجاوز 16 مليون دولار، تضاف إليها كلفة التشغيل وتأمين الكوادر والأدوية والتجهيزات، وهي أعباء لا يمكن اختزالها بمشاريع ترميم إسمنتية.

المشكلة أن الحكومة السورية الانتقالية تبدو أمام قطاع صحي ورث دماراً واسعاً، لكنها لم تتمكن بعد من تحويل ملف إعادة التأهيل إلى استجابة بحجم الكارثة. ومع استمرار عودة السكان، يصبح التأخير أكثر كلفة: فالمستشفى الذي لا يعود إلى الخدمة لا يعني مبنى مغلقاً فحسب، بل يعني مريضاً يقطع طريقاً أطول، وأسرة تدفع أكثر، وحالة صحية قد تصل إلى نقطة لا ينفع معها الانتظار.

في إدلب، تبدو عودة الحياة أسرع من عودة المستشفيات. وهذه الفجوة، إن بقيت بلا معالجة، قد تتحول من أثر للحرب إلى أزمة صحية مزمنة تحملها المحافظة لسنوات أخرى.

 

اقرأ ايضاً: ترميم المستشفيات المدمرة: سوريا تعزز قطاعها الصحي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.