مأساة المرضى على أرصفة العاصمة: رحلة المعاناة من الشرق السوري إلى مشافي دمشق

تتفاقم الأزمة الصحية والخدمية في محافظات الشرق السوري، ولا سيما دير الزور والرقة والحسكة، وسط مؤشرات متزايدة تعكس صعوبة حصول السكان على الرعاية الطبية الأساسية، إثر النقص الحاد في الخدمات التخصصية والمراكز المتقدمة، ما يدفع مئات المرضى وعائلاتهم لقطع مسافات طويلة تصل لمئات الكيلومترات نحو دمشق طلباً للعلاج، لتنتهي رحلتهم بالافتراش في الحدائق العامة وعلى الأرصفة المحيطة بالمشافي الحكومية.

مبيت في العراء وتكاليف باهظة

سجل نشطاء المرصد السوري لحقوق الإنسان تزايداً في أعداد الوافدين من شمال شرق سوريا ممن يضطرون للمبيت في العراء لعدم قدرتهم على تحمل تكاليف الإقامة، بالتزامن مع ارتفاع أجور السفر والمعيشة ومصاريف العلاج، الأمر الذي يضاعف الأعباء النفسية والجسدية على المرضى وذويهم.

ويواجه العشرات من أبناء هذه المحافظات ظروفاً قاسية جراء خلو مناطقهم من الاختصاصات الطبية الدقيقة والتجهيزات الخاصة بالأمراض المزمنة، كمراكز الأورام وجراحات القلب وزراعة الأعضاء، مما يجعل التوجه إلى العاصمة الخيار الوحيد المتاح أمامهم.

مفارقة الثروة والتحميش الصحي

تتجلى قسوة هذه المعاناة عند مقارنتها بثرواث المنطقة الشرقية الطبيعية والزراعية، كونها تضم أكبر حقول النفط والغاز إضافة للمساحات الخصبة المنتجة للقمح والمحاصيل الاستراتيجية، في حين تستمر المعاناة من ضعف القطاع الصحي ونقص الكوادر والمستلزمات الطبية الأساسية.

شهادات مؤلمة من قلب المعاناة

في شهادة للمرصد السوري، أوضح المواطن “أ.م” (52 عاماً) من ريف دير الزور الشرقي، والذي يرافق ابنه المصاب بسرطان الدم، أنه يقطع أكثر من 500 كيلومتر كل ثلاثة أسابيع لتلقي الجرعات، مؤكداً افتقار مشافي المنطقة لأدوية الأورام النوعية، ومشيراً إلى اضطرارهما للنوم في الحديقة المقابلة للمشفى لتعذر تحمل تكاليف الفنادق، وسط انتظار يدوم أياماً تحت ظروف جوية قاسية وإرهاق شديد.

من جانبها، كشفت “أم أحمد” (46 عاماً) من مدينة دير الزور، وهي مريضة تحتاج لزراعة كلية، عن نقص حاد في أجهزة غسيل الكلى وغياب الأطباء المختصين بالجراحات المعقدة، مبيناً أنها استنفدت كافة مدخراتها في النقل والتحاليل، مما أجبرها على افتراش الرصيف، ومستغربة حسرةً كيف يهان أبناء منطقة غنية بالخيرات والنفط على أرصفة العاصمة طلباً للطبابة.

وفي سياق متصل، قال “خالد” (34 عاماً) من ريف دير الزور، وهو والد طفل يعاني من تشوه خلقي في القلب، إن أطباء المنطقة أكدوا له غياب أي مركز متخصص لجراحة قلب الأطفال في الشرق السوري بالكامل، مبيناً أنه بعد وصوله لدمشق تفاجأ بأن المواعيد تستغرق أسابيع، مما أجبره على البقاء في الشارع والنوم على “الكرتون”، وهو ما يهدد سلامة طفله الذي يحتاج لبيئة معقمة قبل العملية.

استياء شعبي ومطالب بالحلول

تظهر هذه الشهادات المتواترة حالة من الاستياء الشعبي جراء استمرار التهميش الطبي وغياب المشاريع الاستراتيجية، رغم المطالبات المستمرة بإنشاء مشافٍ تخصصية وتوفير التجهيزات والكوادر الطبية اللازمة في محافظات الجزيرة والفرات.

كما تثير هذه الأوضاع تساؤلات ملحة حول آليات التعامل الإنساني مع الحالات البعيدة، في ظل انتظارهم الطويل دون توفير مراكز إيواء مؤقتة أو خدمات مساندة تحفظ كرامتهم.

دعوات لتحرك عاجل

يرى الأهالي أن تدهور القطاع الصحي يزيد من تفاقم الأمراض المزمنة ويفاقم الأعباء الاقتصادية في ظل اتساع رقعة الفقر، لتصبح الرعاية الصحية تحدياً يومياً معقداً.

ويؤكد المرصد السوري لحقوق الإنسان أن النهوض بالواقع الصحي يستوجب خطوات عاجلة تتضمن بناء مشافٍ تخصصية، وتوفير الأجهزة والكوادر، وإطلاق برامج دعم لذوي الدخل المحدود، لضمان حق المواطنين في العلاج الكريم داخل مناطقهم وإنهاء رحلات الشتات على أرصفة العاصمة.

 

اقرأ أيضاً:القطاع الصحي في سوريا: إضرابات واحتجاجات واسعة تشل المشافي بسبب أزمة الرواتب

اقرأ أيضاً:تخريب وإعتداء على مشفى وكادر طبي في أعزاز بريف حلب يثير إدانة رسمية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.