خضار حماة من الحقل إلى الهدر.. فائض الإنتاج يكشف أزمة الزراعة السورية
في موسم يفترض أن تكون فيه وفرة المحاصيل خبراً جيداً، تتحول الخضار في أسواق حماة إلى عبء على من زرعها. الأسعار تهبط في ذروة الإنتاج إلى مستويات لا تكاد تلامس كلفة القطاف والنقل، فيما يبقى المستهلك أمام أسعار أعلى بكثير من تلك التي يحصل عليها المزارع. وبين الحقل وسوق الهال، تضيع القيمة في شبكة تسويق مترهلة، بينما يقف المنتج أمام محصوله عاجزاً عن بيعه بالسعر الذي يبقيه في دائرة الإنتاج.
المشهد ليس جديداً، لكنه يتكرر كل موسم من دون أن تبدو لدى الحكومة السورية معالجة تتجاوز الاستجابات المؤقتة. فالمشكلة لم تعد في الإنتاج وحده، بل في غياب منظومة متكاملة تتعامل مع فائض المحاصيل قبل أن يتحول إلى خسارة.
حين تصبح الوفرة خسارة
يؤكد الخبير الاقتصادي إبراهيم نافع قوشجي أن بعض أصناف الخضار تُباع في أسواق الهال بأسعار لا تعكس تكلفتها الحقيقية، في وقت يتحمل المزارع أثمان البذار والأسمدة والمحروقات والعمالة والنقل، إضافة إلى مخاطر الطقس وتقلب السوق.
وتزداد المفارقة مع تعدد حلقات التسويق والعمولات، إذ يحصل المنتج على سعر منخفض، بينما يصل المنتج إلى المستهلك بسعر أعلى، في معادلة تخسر فيها الحلقة الأضعف مرتين: المزارع عند البيع، والمستهلك عند الشراء.
أما الدولة، فتبدو غائبة عن الحلقة الأكثر أهمية: التخطيط المسبق لكمية الإنتاج مقارنة بالاستهلاك والتصدير والتصنيع. وعندما لا توجد قدرة كافية على استيعاب الفائض، يصبح السوق نفسه أداة لمعاقبة المزارع على نجاحه في الإنتاج.
تصنيع غائب.. وفائض بلا مصير
يرى قوشجي أن محدودية الصناعات الغذائية القادرة على استيعاب المحاصيل الطازجة تزيد الأزمة، إذ تُطرح كميات كبيرة من المنتجات خلال فترة قصيرة، من دون قدرات كافية للتجفيف والتوضيب والتبريد والتصنيع.
وتبرز هنا فكرة العقود المسبقة، التي يمكن أن تربط المزارع بالمنشآت الغذائية قبل بداية الموسم، بما يضمن منفذاً للإنتاج ويمنع انهيار الأسعار عند وفرة المحصول.
لكن هذا الحل يحتاج إلى سياسة زراعية فعلية، لا إلى ترك المزارع وحيداً أمام السوق. كما يحتاج إلى تمويل واستثمارات وبنية نقل وتخزين وتشريعات تحمي المنتج، وهي حلقات لا تزال تعاني من ضعف واضح.
المزارع يدفع ثمن غياب الخطة
ويحذر قوشجي من أن تكرار المواسم الخاسرة قد يدفع المزارعين إلى تقليص المساحات المزروعة أو التخلي عن محاصيل معينة، وهو ما قد ينتج أزمة معاكسة لاحقاً: نقص في المعروض وارتفاع في الأسعار.
ويشير رئيس اتحاد الغرف الزراعية هارون خطاب إلى ضرورة دعم مستلزمات الإنتاج، وتخفيف الرسوم، وتوسيع الري الحديث والمكننة، وحماية المنتج المحلي من الإغراق، إلى جانب دعم التصدير والتصنيع الزراعي.
غير أن هذه المطالب تعيد المشكلة إلى مربعها الأساسي: من يضع السياسة الزراعية ومن يتحمل مسؤولية تنفيذها؟
فلا يكفي أن يُطلب من المزارع أن ينتج أكثر في بلد يعاني من ارتفاع كلفة الإنتاج، ثم يُترك لمواجهة السوق عندما تتراكم المحاصيل. ولا يكفي الحديث عن دعم الزراعة من دون بناء سلسلة متكاملة تبدأ من البذار ولا تنتهي عند سوق الهال.
التصنيع الأسري.. حل صغير لأزمة كبيرة
في منطقة الغاب، يقترح الخبير التنموي أكرم عفيف توسيع التصنيع المحلي والأسري لتحويل المحاصيل سريعة التلف إلى منتجات قابلة للتخزين.
ويشير إلى انخفاض أسعار الخيار والبطيخ والباذنجان في سوق الهال بالسقيلبية، وهي مستويات قد لا تغطي حتى تكاليف القطاف في بعض الحالات. ويمكن، وفق المقترح، استجرار الفائض من قبل مجموعات أسرية وتحويله إلى مخللات أو منتجات مبردة ومخزنة، كما يمكن التعامل بالطريقة نفسها مع الفول والبازلاء والملوخية وغيرها.
لكن تحويل هذه الأفكار إلى قطاع منتج يحتاج إلى أكثر من المبادرات الفردية؛ يحتاج إلى تمويل وتدريب وأسواق وحماية قانونية وقنوات تصدير.
في النهاية، لا تكمن أزمة خضار حماة في أن المزارع أنتج كثيراً، بل في أن المنظومة الاقتصادية لم تتعلم بعد كيف تتعامل مع الوفرة. وحين يصبح التخلص من المحصول أقل كلفة من تسويقه، فإن المشكلة لا تعود مشكلة سعر، بل تصبح دليلاً على خلل أعمق في إدارة الزراعة والاقتصاد.
وبينما يواصل المزارع دفع كلفة البذار والماء والوقود والعمل، يبقى السؤال معلقاً أمام الحكومة السورية الانتقالية: كم موسماً آخر سيُطلب من المزارع أن يدفع ثمن غياب الخطة؟
اقرأ أيضاً: أسعار الخضار في درعا: ارتفاع قياسي للمستورد وخسائر تلاحق المنتج المحلي