تفكيك قسد خلال أيام.. تسوية شمال شرقي سوريا بين وعود الحل وضبابية التنفيذ
تقترب معادلة شمال شرقي سوريا، وفق تصريحات قيادي بارز في قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، من لحظة يفترض أن تنهي واحدة من أكثر الترتيبات العسكرية والإدارية تعقيداً في البلاد. لكن ما يُطرح بوصفه حلاً نهائياً لا يزال، حتى الآن، أقرب إلى إعلان سياسي منه إلى واقع مكتمل الملامح، في ظل غياب تفاصيل واضحة حول شكل الاندماج، ومستقبل المؤسسات القائمة، وحدود السلطة التي ستنتقل إلى دمشق.
وكشف القيادي في قسد محمود برخدان أن القوات والإدارة الذاتية تتجهان نحو إنهاء المرحلة الحالية، متحدثاً عن إعلان تفكيك قسد خلال الأيام المقبلة وانتهاء كيان الإدارة الذاتية، مقابل الانتقال إلى وطن مشترك وعلم واحد ودولة، واحدة، وجيش واحد.
التصريحات، التي نقلتها صحيفة “تركيا” المقربة من الحكومة التركية، تأتي في وقت لا تزال فيه الحكومة السورية الانتقالية وقسد تبحثان تنفيذ التفاهمات المتعلقة بدمج المؤسسات العسكرية والأمنية والإدارية في الدولة.
10 آلاف مقاتل في الجيش السوري
قال برخدان إن عملية دمج مقاتلي قسد في الجيش السوري بدأت فعلياً، مشيراً إلى انضمام نحو 10 آلاف مقاتل كردي، مع احتمال ارتفاع العدد إلى 12 ألفاً.
لكن الرقم، على أهميته، لا يجيب عن الأسئلة الأصعب. فدمج آلاف المقاتلين في مؤسسة عسكرية واحدة ليس مجرد نقل أسماء من قائمة إلى أخرى، بل عملية شديدة التعقيد تتعلق بالقيادة والتسلسل العسكري والانتشار والسلاح والرتب والولاءات، فضلاً عن مستقبل التشكيلات العسكرية المرتبطة بـ قسد.
وتبقى وحدات حماية المرأة، وغيرها من الوحدات التي تشكلت خلال سنوات الحرب، من أبرز الملفات التي لا تزال تفاصيل مصيرها غير محسومة في التصريحات الأخيرة.
دمشق أمام اختبار التنفيذ
إذا كانت الحكومة السورية الانتقالية تتعامل مع الاندماج باعتباره خطوة نحو استعادة الدولة لوحدتها العسكرية والإدارية، فإن التحدي الحقيقي يبدأ بعد الإعلان، لا معه.
فإنهاء الإدارة الذاتية وإدماج مؤسساتها في الدولة يحتاجان إلى ترتيبات تفصيلية تمنع نشوء فراغ إداري أو أمني، وتحدد بوضوح مصير المؤسسات المدنية والموظفين والموارد المحلية وآليات الإدارة في المنطقة.
وهنا تظهر مشكلة أوسع تواجه دمشق: فالحكومة السورية لم تثبت بعد قدرتها على إدارة هذا النوع من التسويات المركبة بعيداً عن لغة الاتفاقات العامة. فكل تأخير في ترجمة التفاهمات إلى إجراءات عملية يبقي المنطقة معلقة بين سلطتين، ويترك السكان أمام مستقبل غير واضح.
تركيا تراقب.. والمنطقة تنتظر
يربط برخدان المسار الجاري بالتطورات التركية المتعلقة بملف السلاح، مشيداً بدور الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ورئيس حزب الحركة القومية دولت بهجلي، معتبراً أن تداعيات هذا المسار قد تمتد إلى العراق وإيران.
ويعكس ذلك أن ملف شمال شرقي سوريا لم يعد شأناً سورياً خالصاً؛ فهو يتقاطع مع الحسابات التركية والكردية والإقليمية، ما يجعل أي تسوية عرضة لضغوط متعددة قد تعيد ترتيبها في أي لحظة.
وفي ظل هذا التشابك، تبدو عبارة “جيش واحد ودولة واحدة” سهلة في الخطاب، لكنها أكثر صعوبة بكثير على الأرض.
فإذا كان تفكيك قسد والاندماج في الجيش السوري يتجهان فعلاً إلى التنفيذ، فإن نجاحهما لن يُقاس بعدد المقاتلين الذين دخلوا المؤسسة العسكرية، بل بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على بناء صيغة مستدامة تمنع عودة الانقسام، وتحسم وضع المؤسسات والإدارة والسلاح، وتتعامل مع المنطقة باعتبارها جزءاً من دولة واحدة لا مساحة نفوذ مؤقتة.
أما إذا بقيت التفاصيل غائبة، فقد يتحول الحل المعلن إلى فصل جديد من التسويات المؤجلة التي عرفتها سوريا طوال سنوات الحرب.
اقرأ أيضاً: مسار دمج “قسد” في الجيش السوري: شكوك متبادلة وضغوط دولية تؤجل حلّ الإدارة الذاتية