الأسمنت في سوريا بين الاستيراد ودعم الإنتاج المحلي.. كيف يمكن تحقيق التوازن؟
يواجه سوق الأسمنت في سوريا معادلة صعبة بين الحاجة إلى تأمين كميات كبيرة لمواكبة نشاط البناء وإعادة الإعمار، وبين محدودية الإنتاج المحلي وتزايد الاعتماد على الاستيراد. ومع دخول كميات من الأسمنت إلى السوق من دول إقليمية، بينها الأردن والسعودية، يبرز النقاش حول كلفة الاستيراد وقدرة المعامل الوطنية على سد جزء أكبر من احتياجات السوق.
وتكتسب هذه المسألة أهمية خاصة مع ارتفاع الطلب على مادة الأسمنت، التي تمثل إحدى الركائز الأساسية لقطاع البناء والمقاولات، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى توسيع النشاط العمراني وتأهيل البنية التحتية.
لماذا يستمر الاعتماد على الاستيراد؟
يرتبط اللجوء إلى الأسمنت المستورد، وفق الطرح الاقتصادي الوارد في المادة، بالفجوة بين حجم الطلب المحلي والقدرة الإنتاجية الحالية للمعامل الوطنية.
وعانت هذه المعامل خلال السنوات الماضية من صعوبات في تأمين مستلزمات التشغيل الأساسية، وفي مقدمتها حوامل الطاقة من الفيول والكهرباء، ما حدّ من قدرتها على الإنتاج والمنافسة السعرية أمام المنتجات المستوردة.
ويطرح هذا الواقع أيضاً مسألة كلفة الاستيراد على الاقتصاد، في ظل الحاجة إلى توفير القطع الأجنبي لتمويل المشتريات الخارجية وما قد يترتب على ذلك من ضغط على الموارد المالية للدولة.
في المقابل، فإن الحد من الاستيراد من دون رفع الإنتاج المحلي قد يخلق فجوة أكبر في السوق، خصوصاً مع استمرار الطلب المرتفع على الأسمنت لتلبية احتياجات قطاعي البناء والمقاولات.
تحديات تواجه معامل الأسمنت الوطنية
تواجه الصناعة المحلية مجموعة من العقبات التي تحد من قدرتها على زيادة الإنتاج والمنافسة.
كلفة الطاقة والتشغيل:
تشكل أسعار حوامل الطاقة جزءاً رئيسياً من تكلفة إنتاج طن الأسمنت، فيما يؤدي عدم استقرار تأمين الفيول والكهرباء إلى زيادة صعوبة المنافسة مع الأسمنت المستورد من حيث السعر.
محدودية الطاقة الإنتاجية:
تحتاج معامل القطاع العام، وفي مقدمتها معامل عدرا وطرطوس، إلى أعمال تأهيل وتوسعة لخطوط الإنتاج ورفع قدرتها الاستيعابية. ويتطلب ذلك استثمارات رأسمالية كبيرة قد لا تكون الموازنة العامة وحدها قادرة على توفيرها.
معادلة حماية المنتج والمستهلك:
يمكن للرسوم الجمركية أو الضرائب المرتفعة على الأسمنت المستورد أن توفر حماية مؤقتة للمنتج المحلي، لكن تطبيقها بصورة واسعة قد يؤدي إلى ارتفاع الأسعار في السوق، وبالتالي زيادة تكلفة البناء وتحميل المستهلك والمقاولين أعباء إضافية.
ما الخيارات المطروحة؟
يتطلب التعامل مع ملف الأسمنت، وفق الرؤية الاقتصادية المطروحة، الانتقال من معالجة النقص عبر الاستيراد فقط إلى سياسة تركز على رفع كفاءة الإنتاج الوطني بالتوازي مع ضبط حركة السوق.
ويأتي في مقدمة الحلول المقترحة تأمين الفيول والكهرباء لمعامل الأسمنت المحلية بأسعار مستقرة وتفضيلية، بما يساعدها على خفض تكاليف التشغيل ورفع قدرتها على منافسة المنتجات المستوردة.
كما يبرز خيار توسيع الشراكة بين القطاعين العام والخاص، بهدف جذب استثمارات جديدة لتحديث معامل عدرا وطرطوس وزيادة طاقتها الإنتاجية، إلى جانب إمكانية إنشاء معامل جديدة تعتمد تقنيات ومعايير تشغيل حديثة.
أما في ما يتعلق بالاستيراد، فتقترح الرؤية اعتماد سياسة حماية تدريجية ومدروسة، بحيث ترتبط أي رسوم أو قيود على الأسمنت المستورد بمستوى جاهزية الإنتاج المحلي وحجم الكميات المنتجة فعلياً، لمنع حدوث نقص في السوق أو نشوء حالات احتكار تؤدي إلى ارتفاع الأسعار.
معادلة بين الإنتاج والسوق
ويبدو أن معالجة ملف الأسمنت لا تنحصر في الاختيار بين الاستيراد والإنتاج المحلي، بل في إيجاد توازن بين الاثنين خلال مرحلة رفع القدرة الإنتاجية للمعامل الوطنية.
فرفع إنتاج الأسمنت السوري يمكن أن يخفف الاعتماد على الخارج ويحد من استنزاف القطع الأجنبي، بينما يظل الاستيراد أداة لسد أي فجوة مؤقتة في السوق إلى حين تحسن القدرة الإنتاجية المحلية.
وفي النهاية، يرتبط نجاح أي سياسة في هذا القطاع بقدرتها على دعم الصناعة الوطنية من دون الإضرار بالمستهلك أو رفع كلفة البناء، بما يضمن استمرار توفر الأسمنت وتحريك قطاع الإنشاءات وإعادة الإعمار في الوقت نفسه.
اقرأ أيضاً:بعد انتهاء مهلة استبدال الليرة.. هل تدخل سوريا اختبار السيولة والثقة بالعملة؟
اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز