رفع أسعار المحروقات في سوريا يعيد تحذيرات اقتصاديين من كلفة إلغاء الدعم

أعاد قرار رفع أسعار المحروقات في سوريا النقاش حول مستقبل الدعم الحكومي إلى الواجهة، بعدما تحولت الزيادة من إجراء مرتبط بكلفة تأمين الوقود إلى قضية تمس النقل والإنتاج والأسواق وقدرة الأسر على تحمل تكاليف المعيشة. وجاء القرار بالتزامن مع احتجاجات شهدتها عدة محافظات، وسط مخاوف من انتقال أثر ارتفاع أسعار المشتقات النفطية إلى السلع والخدمات.

وتبرر الحكومة السورية القرار بارتفاع كلفة تأمين المحروقات من الأسواق العالمية، إضافة إلى توقف مصفاة بانياس لنحو شهرين لإجراء أعمال صيانة شاملة، ما يرفع الحاجة إلى استيراد المشتقات النفطية الجاهزة.

لكن هذه الخطوة تعيد إلى الواجهة تحذيرات اقتصاديين أطلقوها في وقت سابق مع بدء تفكيك منظومة الدعم التي اعتمدت عليها الدولة لعقود، إذ رأوا أن الانتقال السريع نحو الأسعار غير المدعومة، من دون توفير أدوات حماية فعالة للفئات محدودة الدخل، قد يزيد الضغوط المعيشية ويفاقم التوترات الاجتماعية.

كيف تغيرت أسعار المحروقات؟

شملت الزيادة الأخيرة ثلاثة من أبرز أنواع الوقود المستخدم في السوق المحلية. فقد ارتفع سعر ليتر بنزين أوكتان 95 من 152 إلى 195 ليرة سورية، بينما زاد سعر بنزين أوكتان 90 من 147 إلى 185 ليرة.

أما المازوت، فارتفع سعر الليتر من 125 إلى 175 ليرة، أي بزيادة تقارب 40%. وتراوحت الزيادة في أسعار البنزين بين نحو 26 و28%.

كما شملت التعديلات الغاز المنزلي والصناعي، إذ ارتفع سعر أسطوانة الغاز المنزلي من 1470 إلى 1600 ليرة، بينما زاد سعر الغاز الصناعي من 2350 إلى نحو 2570 ليرة.

وتقول وزارة الطاقة إن تحديد الأسعار يستند إلى مجموعة من العوامل، بينها أسعار النفط العالمية وسعر الصرف وتكاليف الاستيراد والإنتاج والنقل والشحن والتشغيل والصيانة، مشيرة إلى أن الأسعار تخضع للمراجعة الدورية.

وتربط الوزارة الزيادة الأخيرة بشكل أساسي بارتفاع تكلفة تأمين المشتقات من الأسواق العالمية، إلى جانب توقف مصفاة بانياس مؤقتاً بسبب أعمال الصيانة.

مصفاة بانياس تزيد الحاجة إلى الاستيراد

يفرض توقف مصفاة بانياس خلال فترة الصيانة اعتماداً أكبر على استيراد المشتقات النفطية الجاهزة لتغطية احتياجات السوق، وهو ما يعني ارتفاع النفقات المرتبطة بتأمين الوقود.

وتواجه سوريا أساساً فجوة بين إنتاجها المحلي من النفط وحجم الطلب، ما يجعلها تعتمد على الأسواق الخارجية لتأمين جزء من احتياجاتها.

وفي ملف الطاقة الأوسع، تحدث وزير الطاقة محمد البشير عن عجز يتجاوز مليار دولار في قطاع الكهرباء، عازياً الأزمة إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وضعف تحصيل الفواتير والهدر والسرقات.

وبذلك تضع الحكومة قرار رفع أسعار المحروقات ضمن أزمة أوسع في قطاع الطاقة وتكاليف تأمينه، فيما يمثل القرار بالنسبة للمستهلك زيادة مباشرة في كلفة الوقود، بغض النظر عن وصفها بأنها مؤقتة.

التحذيرات السابقة من تفكيك الدعم

لم يبدأ النقاش حول تداعيات رفع الأسعار مع القرار الأخير. فقد حذرت دراسات اقتصادية سابقة من المخاطر المرتبطة بإلغاء الدعم عن السلع الأساسية بوتيرة سريعة من دون إيجاد بدائل تحمي الأسر الأكثر تضرراً.

وفي تحليل سابق نشره مركز كرم شعار للدراسات الاقتصادية، تناول اقتصاديون مسار إعادة النظر في منظومة الدعم خلال المرحلة الانتقالية، مع التركيز على أربعة ملفات رئيسية: الخبز، والوقود والغاز، والكهرباء، وأجور القطاع العام.

وكان الدعم الحكومي للسلع الأساسية جزءاً رئيسياً من السياسة الاقتصادية السورية لعقود، وشمل الخبز والوقود والكهرباء، قبل أن تبدأ السلطات الانتقالية تقليصه تدريجياً عقب سقوط النظام السابق في كانون الأول/ديسمبر 2024.

وحذر التحليل من أن رفع الدعم عن السلع الأساسية من دون إجراءات تعويضية وشبكات حماية اجتماعية قد يؤدي إلى ارتفاع ملموس في تكاليف المعيشة، ولا سيما بالنسبة إلى الأسر ذات الدخل المحدود.

وفي قطاع الخبز، أشار التحليل إلى ارتفاع سعره في الأسواق غير المشمولة ببرامج الدعم بعد رفع الدعم عنه، فيما جرى تحرير أسعار البنزين والمازوت والغاز.

أما الكهرباء، فارتبط تقليص الدعم فيها بارتفاع تكاليف الإنتاج، في وقت كانت فيه الدولة تواجه أصلاً صعوبات في تأمين ساعات كافية من التغذية الكهربائية للسكان.

وبحسب الخلاصة التي قدمها التحليل، فإن القضية لا تتعلق بمبدأ إصلاح الدعم بقدر ما ترتبط بطريقة تطبيقه وسرعته، وما إذا كان هذا التحول يترافق مع شبكة حماية قادرة على تخفيف الأعباء عن الأسر التي ستتحمل الجزء الأكبر من الكلفة.

من سعر الوقود إلى أسعار الغذاء والنقل

يمتد تأثير المحروقات إلى قطاعات متعددة بسبب استخدامها في النقل والزراعة وتشغيل الآليات ومولدات الكهرباء.

فالمازوت يدخل في نقل البضائع وتشغيل الآليات الزراعية ومضخات المياه، كما تعتمد عليه مولدات توفر الكهرباء في بعض المناطق. أما البنزين، فيرتبط بشكل مباشر بكلفة النقل الفردي والعام وسيارات الأجرة.

وعندما ترتفع كلفة الوقود، تزداد نفقات نقل المنتجات من مناطق الإنتاج إلى الأسواق، وهو ما قد ينعكس على أسعار المواد الغذائية والسلع الاستهلاكية.

وفي القطاع الزراعي، قد يؤدي ارتفاع أسعار المحروقات إلى زيادة كلفة عمليات الحراثة والري والنقل، فيما يمكن أن ترتفع كلفة إنتاج الكهرباء عبر المولدات في المناطق التي تعاني من ضعف التغذية من الشبكة العامة.

لهذا السبب، حذر اقتصاديون في وقت سابق من النظر إلى الدعم على أنه مجموعة ملفات منفصلة، إذ إن الطاقة تدخل بشكل مباشر أو غير مباشر في قطاعات اقتصادية وخدمية متعددة.

هل تبقى الزيادة مؤقتة؟

تصف وزارة الطاقة الزيادة الأخيرة بأنها مرتبطة بظروف تأمين المحروقات وكلفة الاستيراد، ولا سيما خلال فترة صيانة مصفاة بانياس. إلا أن انعكاسها على الاقتصاد لا يرتبط فقط بالمدة التي تبقى فيها الأسعار الجديدة سارية.

فانتقال كلفة الوقود إلى النقل والإنتاج والخدمات يمكن أن يستمر في التأثير على الأسعار حتى مع تغير سعر المحروقات لاحقاً، وهو ما يجعل طريقة إدارة مرحلة إلغاء الدعم عاملاً أساسياً في تحديد حجم العبء الذي تتحمله الأسر.

وفي ظل الضغوط القائمة على القدرة الشرائية، يعيد ارتفاع أسعار المحروقات السؤال الذي طرحته التحذيرات الاقتصادية السابقة: كيف يمكن الانتقال من منظومة الدعم إلى الأسعار الجديدة من دون أن تتحمل الأسر الأقل دخلاً الجزء الأكبر من كلفة الإصلاح؟

اقرأ أيضاً:خفض سعر دقيق الخبز 25% في سوريا مع استمرار تداعيات رفع أسعار المحروقات

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.