احتجاجات على رفع أسعار المحروقات في سوريا.. مطالب اقتصادية تتجاوز قرار الحكومة

شهدت عدة مدن ومحافظات سورية خلال اليومين الماضيين احتجاجات على خلفية قرار الحكومة رفع أسعار المحروقات بنسب كبيرة، في وقت قالت فيه الحكومة إن الزيادة مؤقتة ومرتبطة بارتفاع أسعار النفط عالمياً، إلى جانب توقف مصفاة بانياس عن العمل لحاجتها إلى أعمال إصلاح.

وامتدت الاحتجاجات من محافظات الشرق السوري، الحسكة ودير الزور والرقة، إلى مناطق في حلب وإدلب شمالاً، بما في ذلك مناطق تُعد من أبرز معاقل الإدارة السورية الجديدة.

وأظهرت الشعارات والمطالب التي رُفعت خلال الاحتجاجات أن قرار زيادة أسعار المحروقات كان العامل المباشر في اندلاع الحراك، بينما تعكس المطالب الأخرى حالة من الاستياء المتراكم تجاه الأداء الحكومي، ولا سيما في الملفات الاقتصادية والمعيشية.

ارتفاع أسعار المحروقات يفجر غضباً متراكماً

يقول محمد توفيق، أحد المشاركين في الاحتجاجات الأخيرة في ريف حلب، إن قرار رفع أسعار المحروقات كان الشرارة التي دفعت شريحة من الشارع إلى التحرك.

ويضيف توفيق، في حديث لـ”المدن”، أن الحكومة تبرر الزيادة بعدم قدرتها على تحمل الفارق في تكلفة المحروقات التي تستورد جزءاً منها، في حين يرى أن الإنفاق على مظاهر البذخ لدى المسؤولين يتناقض مع هذه التبريرات.

ويستشهد بما وصفها بالمقاطع المصورة التي تظهر مواكب الوزراء والمسؤولين والسيارات الفارهة، والتي تنتشر على وسائل التواصل الاجتماعي.

ويشير توفيق، الذي كان أحد القادة الميدانيين في فصائل المعارضة سابقاً، إلى ما يعتبره حالة تهميش يعاني منها الشارع “الثوري”، ويرى أن رفع أسعار المحروقات يمثل جانباً ظاهراً من حالة أوسع من الاعتراض على بعض القرارات والسلوك الحكومي.

بدوره، يدعو علي عباس الحكومة إلى عدم الاعتماد على صبر السوريين في مواجهة الظروف الاقتصادية، قائلاً لـ”المدن” إن الشارع لم يلمس، منذ سقوط النظام، سوى وعود حكومية، بينما يواصل الوضع الاقتصادي تدهوره، وفق تعبيره.

ويشير عباس إلى أن آثار رفع أسعار المحروقات لا تتوقف عند تكلفة الوقود، بل تمتد إلى أسعار المواصلات والمواد الغذائية ومواد البناء، ما يزيد الضغوط على الأسر ذات الدخل المحدود.

لماذا بدأت الاحتجاجات من الشرق السوري؟

كانت الحسكة ودير الزور والرقة من أوائل المناطق التي شهدت الاحتجاجات، وهي محافظات تضم مناطق وحقولاً منتجة للنفط.

ويصف الأكاديمي والباحث المتخصص في شؤون الشرق السوري ماهر التمران بدء الاحتجاجات من هذه المناطق بأنه أمر غير مفاجئ، نظراً إلى العلاقة الخاصة التي تربط سكانها بقطاع المحروقات والثروة النفطية.

ويقول التمران إن سكان الشرق السوري لا ينظرون إلى المحروقات باعتبارها سلعة استهلاكية فقط، بل يرونها جزءاً من علاقة أوسع تتصل بالأرض والثروة والسلطة.

ويشير إلى أن المنطقة تضم أهم حقول النفط السورية، في حين اعتاد سكانها خلال سنوات الإدارة السابقة الحصول على المازوت والبنزين بأسعار منخفضة جداً. وبحسب قراءته، فإن رفع الأسعار لا ينعكس على قيمة فاتورة الوقود وحدها، وإنما يرفع تكاليف جوانب متعددة من الحياة اليومية.

ويطرح التمران مفارقة تتعلق بوجود آبار النفط في مناطق السكان ومرور صهاريج النفط أمام منازلهم، بينما يضطر السكان إلى شراء المازوت الناتج من الثروة الموجودة في مناطقهم بأسعار مرتفعة، معتبراً أن هذه المسألة تحول النقاش الاقتصادي إلى قضية مرتبطة بالعدالة والكرامة.

الموارد النفطية واتفاق دمشق و”قسد”

ويرى التمران أن الاحتجاجات لا تعني بالضرورة رفض الدولة أو الاعتراض على مبدأ اعتبار الموارد النفطية ثروة وطنية لجميع السوريين، وإنما تعكس، وفق تحليله، اعتراضاً على توحيد الأسعار قبل تحقيق تقارب مماثل في مستويات التنمية والخدمات والعائد الاجتماعي من الموارد.

ويربط الباحث كذلك بين الاحتجاجات وبين اتفاق دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، باعتباره أحد العوامل غير المباشرة التي ساهمت في تشكيل المشهد الحالي.

ويقول إن الاتفاق فتح مرحلة جديدة تقوم على عنوان توحيد الدولة وإدارة الموارد، معتبراً أن التحدي أمام دمشق لا يتمثل فقط في فرض سعر موحد للمحروقات، وإنما في صياغة علاقة اقتصادية جديدة مع مناطق الشرق السوري.

وبحسب التمران، فإن النفط يجب أن يُعامل باعتباره ملكاً لجميع السوريين، لكن سكان المناطق المنتجة ينبغي أن يلمسوا انعكاس هذه الثروة على مستوى التنمية والخدمات والعدالة.

ويضيف أن استخراج الثروة من منطقة ما من دون أن يلمس سكانها أثراً واضحاً لها في حياتهم اليومية يمكن أن يحول المورد الاقتصادي إلى قضية ذات أبعاد سياسية.

تراكمات اقتصادية وراء الاحتجاجات

من جهته، يرى الباحث في مركز “جسور للدراسات” وائل علوان أن العوامل غير المباشرة التي تقف خلف الاحتجاجات ترتبط بـ”المآسي التراكمية” التي تعاني منها شرائح واسعة من السوريين، خصوصاً الطبقة متوسطة الدخل والفئات الأكثر فقراً.

ويقول علوان لـ”المدن” إن حالة من الخذلان تسود بين شرائح من الشارع السوري نتيجة الفجوة، بين الوعود التي قدمتها الحكومة عبر وسائل الإعلام وبين الظروف الاقتصادية والمعيشية التي يواجهها السكان.

ويشير إلى ارتفاع أسعار الكهرباء، معتبراً أن الزيادة في أسعار المحروقات جاءت في سياق الضغوط المعيشية نفسها.

كما ينتقد ما يصفه بغياب الدراسات الكافية لبعض القرارات الحكومية وضعف التنسيق بين الوزارات، ويستشهد بقرار رفع أسعار المحروقات وتأثيره على قطاع النقل.

وبحسب علوان، أدى ارتفاع أسعار الوقود إلى اضطراب في قطاع المواصلات، وسط عدم وضوح في نسبة زيادة التعرفة، معتبراً أن آلية تحديد الأسعار الجديدة أظهرت ضعف التنسيق الحكومي.

وتأتي هذه التطورات في وقت تتسع فيه تداعيات ارتفاع تكاليف الطاقة لتشمل قطاعات مرتبطة مباشرة بحياة السكان، ما يجعل قرار المحروقات محوراً لمطالب اقتصادية أوسع من مسألة سعر البنزين والمازوت وحدها.

اقرأ أيضاً:أسعار المحروقات في سوريا تقفز لمستويات غير مسبوقة.. أكبر زيادة تضرب البنزين والمازوت

اقرأ أيضاً:رفع أسعار المحروقات في سوريا.. ووزارة الاقتصاد تنفي زيادة سعر الخبز

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.