أزمة المياه في عفرين.. عودة السكان تصطدم بخدمات عاجزة عن استيعاب المدينة

في عفرين شمال حلب، لم تعد عودة السكان إلى منازلهم تعني بالضرورة عودة الحياة إلى طبيعتها. فخلف أبواب البيوت التي فتحت مجددًا بعد سنوات النزوح، تواجه العائلات أزمة يومية تبدأ من أبسط مقومات العيش: المياه.

يقضي محمد ساعات طويلة في انتظار وصول المياه إلى منزله، آملاً أن يتمكن من تعبئة خزاناته قبل أن ينقطع الضخ مجددًا. يقول إن المياه تحولت إلى “معاناة يومية”، إذ تصل بشكل متقطع وغير منتظم، ما يدفع السكان إلى شراء المياه من الصهاريج بأسعار تثقل كاهلهم في ظل ظروف اقتصادية صعبة.

ولا تقتصر المشكلة على ضعف الكميات، فالمياه التي تصل إلى المنازل، بحسب سكان، لا تُستخدم للشرب، وإنما تقتصر على الغسيل وبعض الاستخدامات المنزلية، في وقت يضطر فيه الأهالي إلى البحث عن مصادر بديلة لتأمين احتياجاتهم الأساسية.

مدينة تستعيد سكانها وخدماتها تتراجع

تشهد عفرين خلال الفترة الأخيرة عودة تدريجية لعائلات نزحت سابقًا إلى مناطق أخرى، ولا سيما من القامشلي والحسكة وكوباني، بعد التغيرات السياسية والأمنية التي شهدتها البلاد.

لكن عودة السكان كشفت فجوة كبيرة بين حجم الاحتياجات وقدرة البنية الخدمية على الاستجابة، إذ تواجه المدينة تحديات متراكمة في قطاعات المياه والكهرباء والنظافة، في ظل ضعف مشاريع التأهيل وغياب حلول طويلة الأمد.

ويعتمد سكان عفرين على مياه سد ميدانكي وعدد من الآبار الجوفية، إلا أن فترات الانقطاع باتت تمتد لأيام، وأحيانًا لأكثر من أسبوع، وفق شهادات الأهالي، ما جعل الصهاريج جزءًا ثابتًا من حياة السكان اليومية.

الصهريج بديل الدولة

يقول أحمد، أحد سكان المدينة، إن المشكلة الأساسية ليست فقط في نقص المياه، بل في غياب جدول واضح للضخ، موضحًا أن وصول المياه ليوم واحد ثم انقطاعها لأيام يجعل الأسر عاجزة عن التخطيط لتعبئة خزاناتها.

ويضيف أن الاعتماد على الصهاريج أصبح عبئًا إضافيًا، إذ يدفع السكان مبالغ مرتفعة للحصول على كميات محدودة من المياه، في وقت تعاني فيه معظم الأسر من تراجع القدرة الشرائية.

أما إبراهيم خليل، أحد سكان عفرين، فيشير إلى أن الأزمة ليست جديدة، وأن الحلول السابقة لم تنجح في إنهاء المشكلة، لافتًا إلى أن مشروع تركيب عدادات المياه أثار تساؤلات لدى السكان بعد دفع تكاليفها دون استكمال تركيبها.

ويطالب خليل بمعالجة تسربات الشبكة التي تهدر كميات كبيرة من المياه، ووضع خطة توزيع أكثر عدالة، مشيرًا إلى أن بعض الأحياء لا تحصل على المياه سوى ساعات محدودة خلال الأسبوع.

المؤسسة: الضخ مرتبط بالإمكانات

في المقابل، يقول مدير مؤسسة المياه في عفرين عبد القادر الحافظ إن ضخ المياه يتم وفق برنامج أسبوعي يراعي الكثافة السكانية وطبيعة الشبكات، موضحًا أن ساعات التغذية تختلف بين الأحياء، إذ تحصل بعض المناطق على المياه لمدة 24 ساعة، بينما تحصل أخرى على فترات تتراوح بين 4 و12 ساعة.

وأكد الحافظ أن المياه تخضع للمعالجة قبل ضخها للسكان عبر محطة شران التي تعتمد على التعقيم والتصفية، مع إجراء فحوصات دورية للتأكد من سلامتها.

وأوضح أن توقف الضخ في بعض الفترات، خصوصًا خلال الشتاء، يرتبط بارتفاع نسبة العكورة في مياه سد ميدانكي بسبب السيول والأمطار، ما يستدعي وقف الضخ مؤقتًا حتى استقرار جودة المياه.

وأشار إلى أن المؤسسة تلجأ إلى تشغيل الآبار داخل المدينة عند الحاجة لتعويض النقص، مؤكداً العمل على تحسين الخدمة خلال المرحلة المقبلة.

عودة بلا بنية تحتية

تكشف أزمة المياه في عفرين عن مشكلة أوسع تواجه مناطق سورية عدة تستقبل موجات من العائدين: عودة السكان أسرع من قدرة المؤسسات على إعادة بناء الخدمات.

ففي ظل تراجع البنية التحتية وضعف الاستثمارات الخدمية، تجد الحكومة السورية الانتقالية نفسها أمام اختبار صعب يتمثل في تحويل عودة السكان من مشهد ديموغرافي إلى استقرار فعلي، يبدأ من تأمين أبسط الحقوق اليومية.

وبين انتظار صهريج المياه وانتظار إصلاح الشبكات، يبقى سكان عفرين أمام واقع لا تزال فيه العودة إلى المنازل أسهل من العودة إلى حياة طبيعية.

 

اقرأ ايضاً: رسوم نظافة جديدة في عفرين.. بين تحسين الخدمات وتفاقم الأعباء المعيشية

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.