فائضٌ في الحسابات وضيقٌ في المعيشة.. لماذا لا يلمس السوريون تحسناً اقتصادياً؟

رغم إعلان تحقيق فائض في الموازنة العامة للمرة الأولى منذ نحو 35 عاماً، لا يزال الواقع المعيشي في سوريا يعكس صورة مغايرة تماماً، وسط تساؤلات متزايدة حول أسباب غياب أي تحسّن ملموس في حياة المواطنين.

أفادت وسائل إعلام سورية أن الحكومة السورية سجّلت فائضاً في موازنة عام 2025 بنحو خمسة مليارات ليرة سورية، أي ما يعادل قرابة 46 مليون دولار، بنسبة تُقدّر بـ0.15% من الناتج المحلي الإجمالي، وذلك بعد عقود من العجز المتواصل.

وجاء هذا التحول نتيجة ارتفاع الإيرادات بأكثر من 120% مقارنة بالعام السابق، مقابل نمو أقل في حجم الإنفاق.

ورغم هذا التطور الرقمي، يتزامن الفائض مع واقع اقتصادي واجتماعي معقّد، إذ تشير التقديرات إلى استمرار ضعف النمو الاقتصادي، إلى جانب تحديات هيكلية كبيرة، في ظل محدودية التمويل الخارجي وارتفاع كلفة إعادة الإعمار التي تُقدّر بمئات المليارات من الدولارات.

فائض رقمي لا ينعكس على المعيشة
يرى الخبير الاقتصادي علي متولي أن تحقيق فائض في الموازنة لا يعني بالضرورة تحسناً في مستوى معيشة المواطنين، موضحاً أن القيمة المسجّلة تبقى محدودة جداً مقارنة بحجم الاحتياجات، إذ لا تتجاوز 0.15% من الناتج المحلي.

ويشير متولي بحسب منصة +963 إلى أن هذا الفائض تحقق نتيجة تسارع نمو الإيرادات مقارنة بالإنفاق، وليس نتيجة توسّع حقيقي في الإنتاج أو تحسّن في القطاعات الاقتصادية.

ويضيف أن تشديد تحصيل الضرائب والرسوم، أو خفض الإنفاق، قد يؤدي إلى تحقيق فائض، لكنه لا يعكس بالضرورة تحسناً اقتصادياً فعلياً.

ويؤكد متولي أن مستويات الفقر والجوع لا تزال مرتفعة، مع معاناة نحو تسعة ملايين شخص من انعدام الأمن الغذائي، في وقت تتجاوز فيه كلفة إعادة الإعمار 200 مليار دولار، ما يجعل هذا الفائض غير كافٍ لإحداث تغيير ملموس.

كما يلفت إلى أن زيادة الإيرادات تأتي في جزء منها نتيجة رفع الضرائب والرسوم رغم ضعف القدرة الشرائية، في ظل سعي الحكومة إلى تمويل نفسها داخلياً بسبب محدودية الدعم الخارجي.

ويضيف أن التضخم وتراجع قيمة العملة يقلّصان القيمة الحقيقية لهذه الإيرادات، ما يدفع إلى توسيع القاعدة الضريبية وإصلاح النظام الضريبي.

إنفاق تشغيلي يحدّ من الاستثمار
يوضح متولي أن جزءاً كبيراً من الإنفاق الحكومي يذهب إلى الأجور والتسيير اليومي والالتزامات السابقة، ما يترك هامشاً ضيقاً جداً للاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية مثل الكهرباء والمياه والطرق.

ويبيّن أن أكثر من 40% من الموازنة يُخصص للأجور، الأمر الذي يقيّد قدرة الدولة على توجيه الموارد نحو مشاريع تنموية حقيقية، مشيراً إلى أن تحسّن المؤشرات الكلية لا ينعكس مباشرة على حياة المواطنين في ظل ضعف الخدمات الأساسية واستمرار الأعباء الاقتصادية.

ويضيف أن هذه الحالة تُعرف اقتصادياً بالفجوة بين الاستقرار الكلي والرفاهية المعيشية، حيث قد تتحسن المؤشرات المالية العامة دون أن يلمس المواطن أي تحسن فعلي في حياته اليومية.

أرقام لا تعكس الواقع اليومي
من جهتها، ترى الباحثة في العلاقات الدولية لانا بدفان أن الفائض المسجّل قد يكون نتيجة زيادة الإيرادات الضريبية أو خفض الإنفاق، لكنه لا يعكس تحسناً حقيقياً في الاقتصاد.

وتوضح أن المواطنين ما زالوا يواجهون ارتفاع الأسعار وتراجع الخدمات، رغم ما يظهر من مؤشرات إيجابية على الورق، مشيرة إلى أن الإيرادات غالباً ما تُستخدم لتغطية عجز في قطاعات معينة أو لتمويل نفقات غير مباشرة، دون أن تنعكس بشكل ملموس على مستوى المعيشة.

وتخلص بدفان إلى أن الفائض المالي قد يبقى مجرد رقم في الحسابات، في حين يتطلب التحسن الحقيقي سياسات اقتصادية أعمق واستثمارات طويلة الأجل قادرة على إحداث تأثير مباشر في حياة المواطنين.

فجوة مستمرة بين الأرقام والواقع
يعكس تحقيق فائض في الموازنة تحولاً مالياً مهماً من حيث الشكل، لكنه لا يكفي بمفرده لمعالجة الاختلالات العميقة في الاقتصاد السوري، خاصة في ظل ضعف الخدمات الأساسية واستمرار الضغوط المعيشية.

وبينما تشير الأرقام إلى تحسن نسبي في المؤشرات الكلية، يبقى التحدي الأساسي في ترجمة هذا التحسن إلى واقع ملموس يشعر به المواطن، وهو ما يتطلب إصلاحات هيكلية واستثمارات واسعة تتجاوز مجرد تسجيل فائض في سنة مالية واحدة.

 

اقرأ أيضاً:عجز بـ1.8 مليار دولار.. وزير المالية السوري يطرح موازنة 2026 ويكشف تفاصيل الرواتب

اقرأ أيضاً:موازنة سوريا 2026 في مرمى النيران: وعود فلكية واصطدام مرير بالواقع الاقتصادي

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.