مواد البناء تحتل الأرصفة في سوريا.. فوضى عمرانية تدفع المشاة إلى الشوارع وتكشف ضعف الرقابة
في مدن سوريا تتسارع فيها وتيرة البناء تحت شعار التعافي، تتراجع أبسط حقوق السكان: السير بأمان. فالأرصفة التي يفترض أن تكون ملاذاً للمشاة تحولت في كثير من الأحياء إلى مستودعات مفتوحة للإسمنت والرمل وحديد التسليح، بينما يجد المواطن نفسه مضطراً للنزول إلى الطريق ومزاحمة المركبات، في مشهد يعكس خللاً متزايداً في إدارة الفضاء العام أكثر مما يعكس حركة إعمار منظمة.
الإعمار بلا تنظيم… والمشاة يدفعون الثمن
لم تعد أكوام مواد البناء مشهداً استثنائياً في المدن السورية، بل أصبحت جزءاً من الحياة اليومية. ومع غياب الالتزام بتنظيم مواقع العمل وتأمين ممرات بديلة، تتحول الأرصفة إلى عوائق، فيما يصبح الطريق الخيار الوحيد للمشاة، بما يحمله ذلك من مخاطر متزايدة، خصوصاً في الشوارع المزدحمة.
ورغم أن الحكومة السورية الانتقالية تتحدث عن إعادة الإعمار وتحسين الخدمات، إلا أن ضعف الرقابة على تفاصيل الحياة اليومية يترك آثاراً مباشرة على سلامة المواطنين، ويطرح تساؤلات حول قدرة المؤسسات المحلية على فرض الحد الأدنى من النظام داخل المدن.
كبار السن وذوو الإعاقة الأكثر تضرراً
تحذر اختصاصية العلاج الفيزيائي سنا عبد الله من أن إغلاق الأرصفة لا يمثل مجرد مخالفة تنظيمية، بل يشكل تهديداً صحياً حقيقياً، إذ ترتفع احتمالات التعثر والكسور وإصابات الرأس، خاصة بين كبار السن والأطفال وذوي الإعاقة والمرضى الذين يخضعون لبرامج إعادة التأهيل.
وتؤكد أن اضطرار هؤلاء إلى السير بين السيارات يحول تنقلهم اليومي إلى مخاطرة، فيما كان يمكن تجنب معظم هذه الإصابات بإجراءات بسيطة، كتنظيم مواقع البناء وإبقاء ممرات المشاة سالكة.
الطريق ملك للجميع… لكن الواقع يقول غير ذلك
يرى ناشطون أن استمرار احتلال الأرصفة يعكس ثقافة متنامية في التعامل مع الملكية العامة بوصفها مساحة قابلة للاستباحة، في ظل ضعف تطبيق القوانين وتراجع الوعي المجتمعي.
وتؤكد المبادرات المدنية أن احترام الطريق العام لا يقل أهمية عن أي مشروع عمراني، لأن نجاح الإعمار لا يقاس بعدد الأبنية الجديدة فقط، بل بقدرة المدن على حماية الإنسان داخلها.
القانون موجود… والتنفيذ هو الحلقة الأضعف
تؤكد البلديات أن إشغال الأرصفة يخضع لترخيص محدد المدة، وأن المخالفين يتعرضون للإنذار والغرامات وإزالة التعديات وفق القانون. لكن استمرار الظاهرة بهذا الاتساع يكشف فجوة واضحة بين النصوص القانونية وواقع التطبيق.
وفي ظل استمرار الفوضى، تبقى الأرصفة شاهداً على مفارقة لافتة؛ مدن تعيد بناء جدرانها، لكنها لم تستعد بعد قدرتها على حماية أبسط حق للمواطن: أن يمشي بأمان فوق الرصيف، لا بين السيارات.
اقرأ أيضاً: تفاقم مخالفات البناء في دمشق: حملة هدم تطال الأحياء الراقية