الجنوب السوري: صراع النفوذ بين درعا والسويداء والقنيطرة

يمثل الجنوب السوري أحد أكثر المناطق الحدودية حساسية وتأثيراً في مستقبل الاستقرار الإقليمي. ورغم قربه الجغرافي من مركز القرار في العاصمة دمشق، إلا أنه يخضع لمعادلة جيوسياسية بالغة التعقيد تتداخل فيها مصالح القوى المحلية مع حسابات الجوار (الأردن وإسرائيل).

تثبت الوقائع الجغرافية والسياسية أنه لا يمكن التعامل مع درعا، والسويداء، والقنيطرة بوصفها “جنوباً متجانساً”، إذ يمتلك كل جزء تضاريسه الخاصة، وشبكاته الاجتماعية، ومفهومه الأمني المستقل، مع وجود ترابط وثيق يجعل أي حركة في أحد هذه الأجزاء ترتد مباشرة على بقية الجنوب وعلى دمشق.

إقرأ أيضاً: غياب الضمانات على الأرض.. لماذا ترى إسرائيل أن الاتفاق الأمني مع دمشق سابق لأوانه؟

جدول مقارنة: تفكيك البنية الجيوسياسية لأقاليم الجنوب السوري

لتسهيل فهم الطبيعة المتناقضة والمتكاملة للجنوب السوري، يلخص الجدول التالي الفوارق الأساسية والوظائف الأمنية والسياسية لكل منطقة:

المجال طبيعته الجغرافية وظيفته الجيوسياسية وضعه السياسي الراهن
حوران سهل وهضبة زراعية مفتوحة بوابة دمشق إلى الأردن والخليج سلطة حكومية مع نفوذ محلي وشبكات عشائرية
جبل العرب مرتفعات بركانية متماسكة مجال دفاع محلي واستقلال أمني خارج السيطرة الحكومية المباشرة
الجولان وجبل الشيخ مرتفعات ومصادر مياه مراقبة عسكرية وحزام أمني احتلال إسرائيلي وتوسع داخل المنطقة العازلة
اللجاة صخور بازلتية وعرة منطقة فصل وربط بين درعا والسويداء مساحة احتكاك وحركة للقوى المحلية

1. سهل حوران (درعا): بوابة التجارة البرية والعمق العشائري

تمتد حوران تاريخياً واجتماعياً لتتجاوز الحدود السورية الأردنية. وتتميز هذه المنطقة بطبيعة جغرافية مفتوحة سهلت الحركة العسكرية، لكنها تضم شبكة معقدة من البلدات والعائلات المسلحة التي تجعل السيطرة السياسية المستدامة عليها تحدياً كبيراً.

نقاط الارتكاز الجيوسياسي في حوران:

  • الطريق الدولي (M5) ومعبر نصيب: يمثل الشريان الاقتصادي الحيوي للتصدير السوري نحو الأردن ودول الخليج.

  • عقدتا إزرع والصنمين: تعتبر بلدة إزرع نقطة الوصل العسكرية بين مناطق الجنوب الثلاثة (شرقاً نحو السويداء وغرباً نحو القنيطرة)، بينما تمثل الصنمين خط الدفاع الأول لحماية البوابة الشمالية المؤدية لدمشق.

  • مشروع الربط السككي (2026): يهدف المشروع الطموح بين أنقرة والرياض للربط السككي عبر حوران والأردن إلى إحياء دور الإقليم كجسر تجاري يربط الأناضول بالجزيرة العربية.

  • المخاوف الأمنية الأردنية: تسعى عمان لضمان وجود سلطة قوية تضبط الحدود وتكافح تهريب المخدرات والسلاح، وهو ما تُرجم عبر تشكيل لجنة أمنية مشتركة بين دمشق وعمان.

2. جبل العرب (السويداء): استعصاء أمني وعقبات بنيوية

يمنح جبل العرب بطبيعته البركانية الوعرة وتماسكه الاجتماعي ومؤسساته الدينية الدرزية قدرة دفاعية عالية ضد الاختراق الخارجي. ومع ذلك، يعاني الجبل من نقاط ضعف اقتصادية خانقة تجعله عاجزاً عن الانفصال الإداري الكامل.

معضلة الإدارة المحلية والشرخ السياسي:

عقِب أحداث تموز 2025 الدامية، واجهت السويداء تحديات أمنية معقدة. وبحلول منتصف عام 2026، ظلت ثلاثة مقاعد مخصصة للمحافظة شاغرة في مجلس الشعب الجديد، مما يعكس الفجوة السياسية مع دمشق. وينقسم الشارع في السويداء بين تيار يطالب بالحماية الدولية أو تقرير المصير، وتيار متمسك بوحدة البلاد مع إدارة ذاتية محلية، وتيار ثالث يخشى وقوع الجبل تحت وطأة النفوذ الإسرائيلي.

3. منطقة اللجاة: جغرافيا الفصل والوصل البازلتية

تقع منطقة اللجاة البازلتية كحاجز طبيعي وعر بين شمال شرق درعا وغرب السويداء.

الأهمية العسكرية للجاة:

توفر التضاريس الصخرية للجاة ملاذاً تاريخياً للمجموعات المحلية والمهربين، وتحد من حركة الآليات العسكرية الثقيلة. وتعتبر بلدات مثل بصرى الشام، إزرع، شهبا، والمزرعة بمثابة “البوابات الحاكمة” التي تتحكم بممرات الغذاء والسلاح والسكان بين حوران والجبل.

4. الجولان وجبل الشيخ: مرتفعات استراتيجية تحكم ميزان القوة

تختلف القنيطرة والجولان عن بقية مناطق الجنوب، إذ يرتبط أمنها بالصراع المباشر والتفوق الجوي والاستخباري الإسرائيلي. وتكمن القيمة الاستراتيجية القصوى للمنطقة في ثلاثة عناصر رئيسية: الارتفاع الجغرافي، والثروة المائية (نهر الأردن وطبريا)، والاقتراب العسكري العاصف من دمشق.

فرض الوقائع الميدانية بعد عام 2024:

بعد التغيرات السياسية الكبيرة في دمشق أواخر عام 2024، تمدد النفوذ الإسرائيلي متجاوزاً خطوط فض الاشتباك لعام 1974. وتحولت القنيطرة إلى بيئة تشهد دوريات وحواجز إسرائيلية مباشرة، كما حدث في بلدة عابدين (حزيران 2026)؛ حيث فرضت القوات الإسرائيلية سلطتها الأمنية ميدانياً، في محاولة لإنشاء منطقة عازلة منزوعة السلاح تمتد عبر الجنوب لحرمان دمشق من نشر جيشها على مشارف العاصمة.

5. السويداء في الحسابات والسيناريوهات الإسرائيلية

تسعى الاستراتيجية الإسرائيلية لاستثمار أزمة السويداء عبر تفعيل ورقة “حماية الأقليات” والتواصل مع دروز الجبل والمجتمع المحلي، مستهدفة تحقيق غايات محددة:

  1. الردع الميداني: توفير مبرر لضرب أي تحركات عسكرية سورية تقترب من تخوم السويداء.

  2. منع المركزية: إعاقة دمشق عن بسط سيطرتها الأمنية الكاملة على الخاصرة الجنوبية للبلاد.

  3. أوراق تفاوضية: استخدام ملف السويداء كورقة ضغط في المفاوضات الإقليمية، خاصة بعد رفض دمشق القاطع للمطالب الإسرائيلية بفتح ممر بري مباشر يصل إلى السويداء.

خلاصة التحليل: أحزمة أمنية متداخلة نحو صيغة مستقرة

لا يواجه الجنوب السوري خطر الانفصال الفعلي كدولة مستقلة لعدم امتلاك أقاليمه مقومات البقاء المنفصل، بل يكمن خطره في التحول إلى حزام أمني ممزق متعدد الولاءات والمصالح:

  • الحزام الأردني: يركز على مكافحة التهريب وضمان أمن الحدود والمياه.

  • الحزام الإسرائيلي: يسعى لتجريد الجنوب السوري من التواجد العسكري الثقيل لدمشق.

  • الحيز الدرزي المحلي: يطالب بضمانات أمنية وإدارة ذاتية بعيداً عن السيطرة المطلقة للمركز.

  • محور درعا الحكومي: يهدف لإعادة ربط معابر الحدود بشبكة العاصمة الاقتصادية.

المعادلة الممكنة: إن الصيغة الأكثر استقراراً وجاذبية للجنوب السوري تتمثل في صياغة عقد سياسي وإداري جديد يدمج الجنوب ضمن الدولة السورية مع الاعتراف بخصوصياته المحلية اللامركزية، وإنهاء الوقائع العسكرية الإسرائيلية المفروضة، وتحويل هذه الأقاليم الثلاثة إلى وحدات متكاملة وظيفياً وتنموياً بدلاً من كونها ساحة لتصفية حسابات القوى الخارجية.

إقرأ أيضاً: رادارات وقواعد من الساحل إلى دمشق.. هل باتت أجواء سوريا تحت الوصاية التركية؟

إقرأ أيضاً:بوابات إسرائيلية وقواعد عسكرية جديدة في القنيطرة.. إجراءات ميدانية تغيّر واقع المنطقة

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.