فرنسا تعود إلى خارطة النقل السورية.. هل تتحول استثمارات “CMA CGM” إلى بوابة لإنعاش التجارة أم نفوذ جديد؟
لم يعد مرفأ اللاذقية مجرد بوابة بحرية على المتوسط، بل تحول إلى اختبار جديد لقدرة سوريا على استعادة موقعها التجاري بعد سنوات من الحرب والانهيار الاقتصادي. فمع توسع استثمارات شركة CMA CGM الفرنسية، التي انتقلت من تشغيل محطة الحاويات إلى الحديث عن شبكة لوجستية تمتد من الموانئ إلى الحدود والمطارات والسكك الحديدية، يبرز سؤال أكبر من حجم الاستثمار نفسه: هل تستطيع سوريا بناء منظومة نقل حديثة، أم ستبقى المشاريع الكبرى معزولة وسط بنية تحتية أنهكتها سنوات الصراع؟
وجاء الإعلان عن توسيع التعاون مع الشركة الفرنسية بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى دمشق، ليشمل تطوير الموانئ الجافة في دمشق وحلب، والمنطقة اللوجستية في معبر نصيب، ومنشآت الشحن الجوي في مطار دمشق الدولي، إضافة إلى إعادة تأهيل شبكة السكك الحديدية.
ويأتي ذلك بعد اتفاق عام 2025 لتطوير وتشغيل محطة حاويات مرفأ اللاذقية لمدة 30 عاماً باستثمارات تصل إلى 230 مليون يورو، تتضمن إنشاء رصيف جديد بطول 1.5 كيلومتر وعمق 17 متراً، بما يسمح باستقبال سفن أكبر ورفع القدرة التشغيلية للمرفأ.
لكن خلف الأرقام الكبيرة، يبقى التحدي الحقيقي خارج حدود الرصيف البحري. فالمرافئ لا تتحول إلى مراكز تجارة عالمية بمجرد تحديث أرصفتها، بل تحتاج إلى شبكة نقل متكاملة قادرة على نقل البضائع بسرعة وكفاءة، وهي الحلقة الأضعف في المشهد السوري الحالي.
ويرى خبراء في النقل البحري أن الفرق بين الاتفاق الجديد والعقود السابقة يكمن في انتقال دور الشركة من تشغيل محطة إلى تطوير منظومة لوجستية متكاملة، تشمل الربط بين المرفأ والمراكز الداخلية، ما قد يرفع قدرة اللاذقية على التحول من نقطة عبور إلى مركز إقليمي للنقل والتجارة.
إلا أن هذا التحول يصطدم بواقع ثقيل؛ فالسكك الحديدية التي كانت تمتد لنحو 2800 كيلومتر قبل الحرب، لم يعد يعمل منها سوى أجزاء محدودة، فيما تحتاج الطرق والبنى الخدمية إلى إعادة تأهيل واسعة تتجاوز بكثير حجم الاستثمارات المعلنة.
ويؤكد مختصون أن نجاح المشروع مرتبط بقدرة الحكومة السورية الانتقالية على معالجة الملفات الأكثر تعقيداً: استقرار البيئة الاستثمارية، تحسين الخدمات، تأمين الطاقة، إصلاح الجمارك، وإعادة بناء شبكة النقل الداخلية. فالشركات العالمية قد تفتح الأبواب، لكنها لا تستطيع وحدها ترميم اقتصاد فقد خلال السنوات الماضية الكثير من مقوماته.
ويمثل دخول شركة بحجم CMA CGM إشارة إلى عودة بعض الاهتمام الدولي بالسوق السورية، وقد يمنح دمشق فرصة لاستعادة دورها كممر تجاري بين البحر المتوسط والعراق والخليج وأوروبا. لكن هذه الفرصة تبقى مشروطة بقدرة الدولة على تحويل الاتفاقيات من بيانات سياسية إلى مشاريع إنتاجية حقيقية.
فالمنافسة الإقليمية ليست سهلة؛ إذ تواجه اللاذقية موانئ تمتلك بنى حديثة وخبرة طويلة مثل مرسين وبيروت وحيفا وبورسعيد. كما أن استعادة موقع سوريا التجاري لا تحتاج إلى مشروع واحد، مهما كان حجمه، بل إلى رؤية اقتصادية متكاملة تعيد بناء الثقة قبل المرافئ.
وبين حلم التحول إلى عقدة لوجستية إقليمية وواقع البنية المتآكلة، يقف مرفأ اللاذقية أمام اختبار يتجاوز حدود الاستثمار الفرنسي؛ اختبار لقدرة الحكومة السورية الانتقالية على إدارة مرحلة إعادة الإعمار بعيداً عن منطق المشاريع المنفصلة، نحو بناء اقتصاد قادر فعلاً على الحركة.
اقرأ أيضاً: الشرع وماكرون يبحثان في دمشق إعادة إعمار سوريا