العجز المائي في سوريا يتفاقم.. الجفاف يستنزف السدود والمياه الجوفية

تدخل سوريا مرحلة مائية أكثر صعوبة، مع فجوة سنوية تُقدّر بنحو 2.3 مليار متر مكعب بين الاحتياجات الفعلية وما يمكن توفيره من المياه، في وقت تتراجع فيه الأمطار، وتنخفض مخازين السدود، وتتآكل قدرة الأحواض الجوفية على التعويض. وبينما تتحدث الحكومة السورية عن حصاد المياه وتأهيل شبكات الري وضبط الآبار المخالفة، تبدو الإجراءات المطروحة أقرب إلى إدارة النقص من معالجة أسبابه المتراكمة.

وتحتاج البلاد إلى نحو 17 مليار متر مكعب سنوياً لتغطية احتياجات الزراعة والشرب والصناعة والسياحة، مقابل نحو 14.7 مليار متر مكعب من المياه المستجرة بعد احتساب الفاقد بالتبخر، وفق مدير الإدارة المتكاملة في الهيئة العامة للموارد المائية عبد الله القاطع. الفارق ليس رقماً فنياً عابراً، بل فجوة تتسع آثارها من الحقل إلى مائدة المستهلك، ومن مياه الشرب إلى قدرة الاقتصاد الزراعي على الاستمرار.

موارد تتراجع.. والاعتماد على الجوفية يتزايد

يقول القاطع إن انخفاض الهطولات خلال السنوات الأخيرة، ولا سيما الموسم الماضي، دفع إلى زيادة الاعتماد على المياه الجوفية، ما أدى إلى تراجع مناسيب عدد من الحوامل المائية واستنزاف بعضها وجفاف أخرى. ويحتاج تعافي هذه الموارد إلى سنوات مطيرة متتالية، وهو شرط لا تملك الحكومة التحكم به، لكنها تملك تحسين إدارة ما تبقى من المخزون وتقليل استنزافه.

وتقول الهيئة إنها تضبط الآبار المخالفة، وتصادر الحفارات وتنظم الضبوط وتحيل المخالفين إلى القضاء. إلا أن استمرار الحديث عن آلاف الآبار غير المرخصة يكشف أن الرقابة لم تتحول بعد إلى منظومة قادرة على حماية المورد، فيما بقيت المياه الجوفية خلال سنوات طويلة بمثابة احتياطي مفتوح للاستهلاك كلما تراجعت مصادر المياه الأخرى.

ولا تتوقف المشكلة عند الجفاف؛ فاستشاري إدارة الموارد الطبيعية موفق الشيخ علي يرى أن نقص البيانات والمراقبة الدقيقة يجعل جزءاً من التقديرات المائية غير مكتمل. فقد تعرضت أنظمة الرصد في الآبار والسدود ومحطات الأرصاد للتخريب والسرقة خلال سنوات الحرب، ما ترك إدارة مورد استراتيجي تعتمد، في جوانب منها، على بيانات غير كافية.

السدود ليست مخزوناً مضموناً

تطرح الحكومة مشاريع لاستكمال عدد من السدود والسدات والخزانات في المحافظات، إلى جانب إعادة تأهيل شبكات الري ومحطات الضخ. لكن المشكلة أن بناء منشآت جديدة لا يكفي إذا ظلت كفاءة الاستخدام منخفضة، وشبكات النقل تعاني الفاقد، ومخازين السدود معرضة للتبخر والتراجع.

ويحذر الشيخ علي من أن الإدارة المستدامة تقتضي الاحتفاظ بجزء من المخزون للعام التالي تحسباً للمواسم الجافة، خصوصاً مع ارتفاع أثر التغير المناخي. وهذا يعني أن إطلاق المياه وفق الحاجة الآنية فقط قد يحول سنوات الشح إلى أزمة أكبر في الموسم اللاحق.

الزراعة تستهلك النصيب الأكبر

يبقى القطاع الزراعي في قلب الأزمة، باعتباره المستهلك الأكبر للمياه. وبينما تراهن الهيئة على الري الحديث وجمعيات مستخدمي المياه ومعالجة مياه الصرف وإعادة استخدامها، تبدو الحاجة أكبر إلى إعادة النظر في الخريطة الزراعية نفسها.

فاستمرار زراعة محاصيل مرتفعة الاستهلاك للمياه، بعضها يعاني أصلاً فائضاً في الإنتاج وانخفاضاً في الأسعار، يعني استنزاف مورد نادر لإنتاج لا يحقق دائماً عائداً اقتصادياً يبرر الكلفة المائية. ويشير الشيخ علي إلى استهلاك كميات كبيرة من المياه لإنتاج بعض المحاصيل، محذراً كذلك من التوسع غير المدروس في الزراعات الشجرية والمحاصيل ذات الاحتياجات المائية المرتفعة.

إدارة الأزمة بدل منعها

المشكلة الأعمق أن سوريا لا تواجه نقصاً موسمياً يمكن تجاوزه بمشروع سد أو حملة لضبط الآبار، بل أزمة موارد تتقاطع فيها قلة الأمطار والتغير المناخي وسوء الإدارة والهدر وضعف شبكات الري ونقص البيانات.

وتحتاج الحكومة الانتقالية إلى سياسة مائية تتجاوز رد الفعل، تبدأ بمسح شامل ودقيق للمخزون الجوفي والسطحي، وتربط الخطة الزراعية بقدرة الأحواض على التحمل، وتخفض الفاقد في شبكات الري والشرب، وتفرض رقابة فعلية على الآبار، وتوسع إعادة استخدام المياه المعالجة.

أما الاكتفاء بإعلان مشاريع متفرقة وإعادة تأهيل ما يمكن تأهيله، فلن يوقف استنزاف مورد يتناقص أسرع من قدرة المؤسسات على تعويضه. وفي بلد يزداد فيه الضغط على الزراعة ومياه الشرب، فإن تأجيل الإصلاح المائي لا يعني تأجيل المشكلة، بل نقل كلفتها إلى سنوات أكثر جفافاً وأجيال أقل قدرة على التعويض.

اقرأ أيضاً: تحلية المياه في سوريا.. مشروع ضخم يبدأ بالدراسات وعجز مائي يتفاقم

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.