التوسع العمراني خارج المخططات يتسع في سورية وسط عجز سكني

يتسارع التوسع العمراني خارج المخططات التنظيمية في مناطق سورية عدة، مدفوعاً بعودة المهجرين والحاجة المتزايدة إلى السكن، في ظل محدودية الأراضي المخصصة للبناء ووجود عجز سكني يتجاوز 1.3 مليون وحدة، وفق تقديرات المؤسسة العامة للإسكان

ويضع هذا الواقع المجالس المحلية أمام ملف معقد، إذ تتداخل مخالفات البناء التي نشأت خلال سنوات الحرب مع توسعات عمرانية أحدث، فيما تواجه الجهات المعنية الحاجة إلى موازنة تطبيق القوانين مع واقع عمراني وسكاني تغير بشكل كبير خلال السنوات الماضية

توسع خارج المخططات خلال سنوات الحرب

يقول مدير مديرية المجالس المحلية في محافظة إدلب علي السلطان إن المجالس والبلديات تعمل وفق ضوابط تهدف إلى حماية الأملاك العامة وتنظيم العمران والحد من المخالفات، وتشمل منع التعدي على الأملاك العامة والمخططات التنظيمية، والالتزام بقانون الضابطة العمرانية وأنظمة البناء بمختلف تصنيفاتها

ويشير السلطان إلى أن البناء ضمن الأراضي الزراعية أو خارج المخططات التنظيمية ومناطق الحماية محظور، لافتاً إلى أن المجالس المحلية تلقت تعليمات وتعاميم تؤكد عدم السماح بالتوسع العمراني إلا ضمن المخططات التنظيمية المعتمدة

لكن جزءاً من الأبنية القائمة خارج هذه المخططات، بحسب السلطان، يعود إلى مراحل غابت فيها المجالس المحلية ومؤسسات الدولة عن أداء دورها بصورة طبيعية، ولا سيما خلال السنوات الأولى من الثورة، حين أدت عمليات القصف والدمار والنزوح إلى ظروف دفعت السكان إلى إعادة بناء مساكنهم والتوسع في بعض المناطق بعيداً عن الإجراءات التنظيمية المعتادة

ويرى أن التعامل مع هذا الواقع يتطلب مسحاً ميدانياً يحدد حجم البناء المقام خارج المخططات، مع التفريق بين المخالفات التي نشأت في ظل الظروف الاستثنائية والتوسع الذي حدث لاحقاً، مشيراً إلى أن معالجة الملف لا يمكن أن تقتصر على إزالة الأبنية المخالفة، بل تستدعي دراسة الواقع العمراني وإمكان تعديل المخططات بما ينسجم مع التغيرات التي شهدتها المناطق

مخططات لا تواكب الحاجة إلى السكن

وفي مدينة الرستن بريف حمص، يربط رئيس مجلس المدينة مصطفى الحسين بين عودة المهجرين وضيق المساحات المخصصة للبناء، معتبراً أن ذلك دفع سكاناً إلى التوجه نحو الأراضي الزراعية خارج المخطط التنظيمي

ويقول الحسين إن المواطن أصبح، في بعض الحالات، متقدماً على الجهات الرسمية في التوسع العمراني، معتبراً أن ذلك يرتبط أيضاً بتأخر تحديث المخططات التنظيمية وتحديد المناطق المخصصة للبناء

ويضيف أن الرستن لا تضم حالياً مساحات مخصصة للبناء ضمن المخطط التنظيمي، في وقت يسمح النظام القائم بثلاثة طوابق فقط، الأمر الذي يدفع بعض السكان إلى البناء في المزارع باعتبار أن تكلفته أقل، رغم مخالفة ذلك للقانون

وبحسب الحسين، فإن معالجة الوضع تتطلب تعديل المخطط التنظيمي من خلال اجتماع اللجنة الإقليمية، بما يسمح بإدخال مناطق جديدة ضمن الأماكن المخصصة للبناء ومنح المواطنين تراخيص فيها، إلا أن انعقاد اللجنة قد يستغرق عامين، فضلاً عن الحاجة إلى تغيير وصف المخطط بما يتوافق مع الواقع العمراني القائم

ويشير إلى أن ارتفاع تكاليف البناء يمثل عائقاً إضافياً أمام السكان، لافتاً إلى مطالبة مجلس المدينة نقابة المهندسين بتوسيع المخطط التنظيمي

البنية التحتية أمام توسع يصعب خدمته

ولا تقتصر آثار البناء العشوائي خارج المخططات على الجانب التنظيمي، إذ تطاول قدرة المدن والبلدات على إيصال الخدمات الأساسية إلى المناطق الجديدة

وتوضح المهندسة علا البوشي أن التوسع غير المنظم يعرقل تأمين المياه والكهرباء وشبكات الصرف الصحي، خصوصاً عندما تتوزع الوحدات السكنية بعيداً عن الطرق وفي مناطق زراعية

وترى البوشي أن غياب المخططات التنظيمية لا يعني بالضرورة ترك البناء من دون ضوابط، وتقترح السماح بالبناء في مناطق يمكن إدراجها مستقبلاً ضمن المخططات، بحيث تكون قابلة للتخديم، بالتوازي مع إشراف المجالس المحلية على حركة البناء في المدن والبلدات

وفي محافظة إدلب، يرى السلطان أن تأثير التوسع العمراني الحالي على الطرق والبنية التحتية موجود، لكنه يصفه بالمحدود نسبياً، موضحاً أن جانباً كبيراً من شبكات الخدمات والبنية التحتية كان قد تعرض للدمار خلال سنوات الثورة، ما يجعل إعادة تأهيله أو إنشائه من جديد ضرورة قائمة أصلاً

ويعتبر أن المرحلة المقبلة تحتاج إلى دراسة شاملة للبنية التحتية والواقع العمراني، إلى جانب مراجعة المخططات القديمة وتحديثها بما يتناسب مع حجم التوسع والمخالفات والتغيرات السكانية والعمرانية وحجم الدمار

وبحسب السلطان، يمكن أن تساعد هذه الخطوة في وضع تصور لإعادة الإعمار يحمي الأملاك العامة وينظم حركة البناء، مع تحسين الطرق وشبكات الخدمات وضمان وصول السكان إليها بصورة أكثر عدالة وكفاءة

كلفة السكن تدفع إلى البناء خارج التنظيم

إلى جانب نقص الأراضي المخصصة للبناء، تمثل الكلفة عاملاً مؤثراً في اتجاه بعض السكان إلى الأراضي الواقعة خارج المخططات التنظيمية

ويقول علاء هاشم، من ريف حمص الشمالي، إن شراء وحدة سكنية ضمن المخطط التنظيمي قد يكلف ضعف تكلفة البناء خارج حدوده، موضحاً أنه يملك أرضاً خارج المخطط واختار البناء عليها بسبب انخفاض الكلفة

ويربط هاشم قراره بسنوات قضاها مهجراً في مخيمات شمال سورية، معتبراً أن البناء على أرضه خارج المخطط كان أقل كلفة وساعده على الاستقرار

وبين عودة السكان إلى مناطقهم، وارتفاع الحاجة إلى المساكن، ومحدودية المساحات المنظمة وارتفاع تكاليف البناء، يتسع واقع عمراني سبق في بعض المناطق قدرة المخططات التنظيمية على استيعابه، ما يضع ملف تنظيم البناء أمام الحاجة إلى معالجة تتعامل مع الأبنية القائمة والتوسع الجديد في آن واحد

اقرأ أيضاً:عودة المهجرين السوريين ورؤية سوريا بلا مخيمات تحديات السكن والخدمات وإعادة الإعمار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.