شمال شرقي سوريا.. اندماج مؤجل على إيقاع التعقيدات والضغوط المالية
تبدو عملية دمج قوات سوريا الديمقراطية ضمن مؤسسات الدولة السورية أقرب إلى مسار طويل ومفتوح على التأجيل، أكثر من كونها انتقالًا منظمًا نحو صيغة نهائية. فوفق مصادر مطلعة داخل “قسد”، ما يزال هذا الملف محكومًا بتشابك سياسي وتنظيمي وعسكري، يجعل من الحديث عن جدول زمني محدد أمرًا غير محسوم، قد يمتد من شهر واحد إلى عام كامل، تبعًا لتطور التفاهمات مع دمشق.
مسار غير مكتمل… وملفات مؤجلة على الطاولة
المصدر يشير إلى أن ملف الإدارة الذاتية ومؤسساتها لم يُحسم بعد، خصوصًا في القضايا الحساسة المرتبطة بالتعليم والامتحانات الرسمية. ومن بين الأمثلة التي تعكس هذا التعقيد، استمرار الحديث عن أن امتحانات الشهادة الثانوية (البكالوريا) لدورة عام 2028 ستبقى، وفق التصورات الحالية، تحت إدارة الإدارة الذاتية، ما يعكس استمرار حالة الازدواج المؤسسي وعدم وضوح خطوط الانتقال.
هذا التداخل بين البنى الإدارية لا يعكس فقط خلافًا تقنيًا، بل يشير إلى بنية سياسية ما تزال قيد التشكل، حيث تتقدم التسويات ببطء يفوق قدرة الواقع على التكيف معها.
“قسد” بين الحل المؤجل وبنية عسكرية غير مكتملة الاندماج
بحسب المصدر، فإن إعلان حل “قسد” لن يكون مطروحًا قبل إنهاء ملف آلاف المقاتلين الذين ما زالوا خارج مسار الاندماج مع الدولة السورية. هؤلاء المقاتلون، المنتشرون ضمن تشكيلات متعددة، يشكلون عقدة مركزية في أي تسوية نهائية.
وتتعامل قيادة “قسد”، وفق المعطيات، مع هذا الملف باعتباره شرطًا مسبقًا لأي خطوة باتجاه الحل، إذ إن بقاء هذه القوى خارج الإطار الرسمي يجعل إعلان الحل خطوة محفوفة بإشكالات قانونية وأمنية، قد تضعهم في مواجهة مباشرة مع السلطات.
إعادة تشكيل بطيئة… وضبابية في البنية العسكرية
المشهد العسكري في شمال شرقي سوريا يوصف بأنه في مرحلة انتقالية غير مكتملة. فالتشكيلات العسكرية لا تزال متعددة ومتداخلة، وتضم آلاف العناصر من خلفيات مختلفة، ما يجعل عملية التسوية معقدة وبطيئة.
وبينما يجري العمل على إعادة هيكلة هذا المشهد، تبقى الصورة النهائية غير واضحة، في ظل غياب صيغة موحدة تضمن دمجًا سلسًا أو حلًا نهائيًا دون فراغات أمنية.
الضغوط المالية كأداة إعادة تشكيل
في تطور لافت، يشير المصدر إلى أن الجهات المشرفة على ملف الاندماج لجأت خلال الفترة الأخيرة إلى تقليص الدعم المالي واللوجستي عن التشكيلات غير المنخرطة في العملية، بما في ذلك الرواتب والمخصصات التشغيلية والمحروقات.
هذا المسار، الذي يمكن وصفه بأنه “ضغط اقتصادي موجه”، أدى إلى تراجع قدرة بعض التشكيلات على الاستمرار، في ظل انقطاع الرواتب لعدة أشهر عن مجموعات مثل “جي سوار” و”اللواء الشمالي الديمقراطي”.
وبحسب المصدر، فإن هذا التراجع المالي يُستخدم كأداة لدفع العناصر نحو التسويات الفردية أو الجماعية، بما يقلل الحاجة إلى حلول قسرية مباشرة، لكنه في الوقت نفسه يعمّق حالة الإرهاق داخل البنية العسكرية القائمة.
مظلوم عبدي: من العسكري إلى السياسي
على الصعيد القيادي، لا تشير المعطيات إلى أن القائد العام لـ”قسد” مظلوم عبدي يتجه لتولي منصب رسمي داخل مؤسسات الدولة السورية بعد الاندماج. بل على العكس، يرجّح المصدر انتقاله إلى دور سياسي خلال المرحلة المقبلة.
وتتحدث التقديرات عن مشروع سياسي يسعى إلى توحيد القوى والأحزاب الكردية السورية ضمن إطار أوسع، في محاولة لتجاوز حالة التشظي الحزبي التي طبعت المشهد الكردي لسنوات.
اندماج بلا نهاية واضحة
في المحصلة، تبدو عملية إعادة تشكيل المشهد العسكري والإداري في شمال شرقي سوريا عالقة في منطقة وسطى: لا هي اندماج مكتمل، ولا هي بنية منفصلة مستقرة.
وبين الضغوط المالية، والتعقيدات التنظيمية، والملفات السياسية المؤجلة، يبقى إعلان حل “قسد” خطوة مؤجلة على جدول زمني مفتوح، تحكمه تفاهمات غير مكتملة، وواقع ميداني لا يزال يفرض إيقاعه الخاص على مسار التسوية.
اقرأ أيضاً: قسد تفرض شروطها في الاندماج.. محاصصة للمناصب الإدارية في الحسكة تميل لصالح الكرد