التوتر في الحسكة بعد رفع العلم السوري.. السلم الأهلي ودمج المؤسسات أمام اختبار الثقة

لم ينهِ رفع العلم السوري في مدينة الحسكة حالة التوتر، بل أعاد إلى الواجهة الخلافات المتعلقة ببسط سلطة الدولة، وحقوق المكونات المحلية، والتمثيل السياسي والأمني، في ظل مرحلة انتقالية تتطلب توافقاً أوسع وضمانات واضحة لحماية السلم الأهلي.

فبعد المراسم الاحتفالية التي أقيمت في ساحة الحرية يوم 8 تشرين الأول، شهدت المدينة احتجاجات مقابلة، ترافقت مع إطلاق نار وإصابات لم تُحسم ملابساتها بشكل نهائي. وفي اليوم التالي، تجددت المظاهرات المطالبة ببسط سلطة الدولة، وسط تقارير عن قيود أمنية واعتداءات طالت رموزاً كردية.

وتطرح هذه التطورات تساؤلات حول قدرة المؤسسات المعنية على إدارة الخلافات السياسية والأمنية في الحسكة، وضمان حق المواطنين في التظاهر والتعبير عن هوياتهم ومواقفهم، من دون أن تتحول الإجراءات الأمنية إلى مصدر إضافي للخوف والاحتقان.

التوتر في الحسكة.. هدوء الشوارع لا يعني استقراراً دائماً

على الرغم من تراجع حدة التوتر وعودة الحركة إلى الشوارع، فإن الأسباب التي أدت إلى الاحتجاجات لا تزال قائمة، وسط مخاوف من أن يكون الهدوء الناتج عن الانتشار الأمني والقيود على الحركة مؤقتاً، ولا يعكس بالضرورة استعادة الثقة بين السكان والجهات المسؤولة.

وبحسب تقارير للمرصد السوري لحقوق الإنسان وموقع «عنب بلدي»، فُرضت قيود على الحركة خلال مظاهرات 9 تشرين الأول، فيما تحدثت «روداو» ووسائل إعلام محلية عن تدخلات أمنية وإطلاق نار في الهواء مساء اليوم السابق.

ولا تزال تفاصيل الإصابات والجهات المسؤولة عن إطلاق النار غير محسومة، ما يبرز أهمية إجراء تحقيقات شفافة وموثوقة لكشف ملابسات الأحداث وتحديد المسؤوليات.

وتتطلب إدارة الوضع الأمني توضيح أسباب فرض القيود على الحركة، والجهات التي اتخذت القرارات، والمدة الزمنية المحددة لها، إلى جانب توفير آليات للاعتراض والتظلم، بما يمنع تحول الإجراءات المؤقتة إلى عامل إضافي لزعزعة الثقة.

رفع العلم السوري في الحسكة يعيد النقاش حول الهوية والحقوق

شكّل رفع العلم السوري حدثاً رمزياً في مدينة تمر بمرحلة انتقالية على مستوى السلطة والإدارة والمؤسسات الأمنية. وبالنسبة إلى المشاركين في المظاهرات المطالبة ببسط سلطة الدولة، عبّر الحدث عن تطلعات تتعلق بتوحيد الإدارة والأمن، إلى جانب مطالب خدمية وقضايا مرتبطة بالمعتقلين والمفقودين.

في المقابل، أفادت تقارير بأن اعتداءات طالت رموزاً كردية ولافتات متعددة اللغات، ما أثار مخاوف لدى بعض السكان بشأن مكانة هويتهم وحقوقهم الثقافية والاجتماعية.

ويكشف هذا التباين أن الخلاف في الحسكة لا يقتصر على الرموز والشعارات، بل يرتبط بكيفية بناء مؤسسات مشتركة تضمن المساواة بين المواطنين وتحمي التنوع في المحافظة.

فالعلم السوري يمكن أن يشكل رمزاً وطنياً جامعاً عندما يقترن بالاعتراف بحقوق جميع السكان، لكنه قد يتحول إلى مصدر انقسام إذا فُهم على أنه إعلان انتصار سياسي لطرف أو إلغاء لرموز جماعة أخرى.

وفي المقابل، فإن حماية الهوية الكردية والحقوق الثقافية لا تتعارض بالضرورة مع وجود مؤسسات دولة موحدة، كما أن المطالبة بتوحيد المؤسسات لا تبرر الإساءة إلى هوية السكان أو التشكيك في انتمائهم.

دمج المؤسسات في الحسكة يحتاج إلى ضمانات لبناء الثقة

ترتبط التطورات الأخيرة في الحسكة بمسار دمج المؤسسات والقوى الأمنية، الذي تناولته تفاهمات بين السلطات في دمشق وقوات سوريا الديمقراطية «قسد».

وتبرز في هذا السياق أهمية إعادة تشغيل الدوائر الحكومية، وتوضيح الصلاحيات الإدارية والأمنية، وضمان استمرار الخدمات العامة، بحيث يلمس السكان نتائج عملية لعملية الدمج في حياتهم اليومية.

فنجاح توحيد المؤسسات لا يقاس بالاتفاقات والإعلانات الرسمية وحدها، بل بقدرة المواطنين على إنجاز معاملاتهم، والوصول إلى الخدمات، ومعرفة الجهات المسؤولة عن أمن مناطقهم، والثقة بأن القانون يطبق على الجميع من دون تمييز.

وفي بيان صدر يوم 8 تشرين الأول، حذّر مجلس سوريا الديمقراطية من تحويل الخلاف السياسي والأمني إلى خصومة بين مكونات المجتمع، داعياً إلى حماية المواطنين ومحاسبة المتورطين في العنف والتحريض.

ويعكس هذا الموقف جانباً من النقاش السياسي الدائر حول مستقبل الإدارة والأمن في المنطقة، فيما يبقى التحدي الأساسي في توفير ضمانات عملية لجميع السكان، وإشراك ممثلين عن مختلف مناطق المحافظة في القرارات المتعلقة بمستقبلها.

الحسكة مجتمع متنوع.. ومخاطر التعميم تهدد السلم الأهلي

لا يمكن اختزال المشهد في الحسكة بمواجهة بين طرفين أو التعامل مع المتظاهرين باعتبارهم ممثلين لمكونات سكانية كاملة. فالمدينة والمحافظة تضمان سكاناً من خلفيات متنوعة، تجمعهم علاقات اجتماعية ومصالح اقتصادية وحياة يومية مشتركة.

ومن هنا، تبرز ضرورة تجنب تحميل جماعة بأكملها مسؤولية تصرفات أفراد أو مجموعات، وعدم التعامل مع المخاوف المتعلقة بالهوية والحقوق باعتبارها مجرد أدوات في الصراع السياسي.

كما أن الاتهامات المتعلقة بتأجيج التوتر أو المسؤولية عن إطلاق النار والاعتداءات ينبغي أن تبقى ضمن إطار الروايات المنسوبة إلى أصحابها، إلى حين التحقق منها بأدلة مستقلة وموثوقة.

وتقع على عاتق القيادات السياسية والأمنية ووسائل الإعلام مسؤولية الحد من الشائعات والخطاب التحريضي، وتقديم المعلومات الدقيقة، بما يمنع تحول الخلافات السياسية إلى توترات اجتماعية أوسع.

عودة العائلات إلى رأس العين ترتبط بالأمان والاستقرار

يتجاوز ملف السلم الأهلي في شمال شرقي سوريا مسألة السيطرة الأمنية إلى قضايا الاستقرار الفعلي وعودة السكان إلى مناطقهم.

وفي هذا السياق، تشير المعلومات الواردة إلى عودة 518 عائلة إلى رأس العين خلال الفترة نفسها، ضمن تحركات مرتبطة بملف عودة السكان. ووفق ما أعلنته الجهات الرسمية، تندرج العودة ضمن برنامج طوعي، فيما تتطلب استدامتها توفير الأمن والخدمات وحماية الحقوق بعد العودة.

وتؤكد هذه المسألة أن الاستقرار لا يتحقق بمجرد فرض الحضور الأمني أو تغيير ترتيبات الإدارة، بل يحتاج إلى ظروف تسمح للسكان بالعودة والعيش بأمان، واستعادة حياتهم ومصالحهم الاقتصادية والاجتماعية.

مستقبل السلم الأهلي في الحسكة مرهون بعدالة تطبيق القانون

تقف الحسكة أمام اختبار مهم في مرحلة الانتقال من تعدد السلطات إلى مؤسسات مشتركة، إذ يتطلب نجاح هذا المسار أكثر من الاتفاقات السياسية والإجراءات الأمنية.

وتشمل الخطوات الأساسية لضمان الاستقرار إجراء تحقيقات شفافة في أحداث إطلاق النار والاعتداءات، وحماية حق التظاهر السلمي، واحترام الرموز والهويات المختلفة، وإشراك ممثلين عن مناطق المحافظة ومكوناتها في ترتيبات دمج المؤسسات.

كما أن توضيح الصلاحيات الأمنية والإدارية، ومحاسبة المسؤولين عن أي تجاوزات تثبتها التحقيقات، وتعزيز الثقة بين السكان والمؤسسات، تمثل عوامل أساسية للحد من الاحتقان ومنع تجدد المواجهات.

وفي نهاية المطاف، لا يتوقف استقرار الحسكة على قدرة الدولة على فرض حضورها فحسب، بل على مدى شعور السكان بأن مؤسساتها توفر الحماية والحقوق على قدم المساواة، بعيداً عن التمييز أو الإقصاء.

فالسلم الأهلي المستدام يبدأ بضمان حرية التعبير، واحترام التنوع، والاحتكام إلى الأدلة والقانون في معالجة الخلافات، بما يجعل توحيد المؤسسات مدخلاً إلى الاستقرار والشراكة، لا سبباً جديداً للانقسام.

إقرأ أيضاً: توتر في الحسكة بعد مظاهرة مؤيدة للعلم السوري الجديد ووقوع إصابات في صفوف الأمن

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.