السكن في سوريا.. أزمة تتفاقم وخطة حكومية تصطدم بعجز التمويل وتراجع القدرة الشرائية

تطرح الحكومة السورية خطة لإنتاج وتأهيل مليوني وحدة سكنية حتى عام 2035، في بلد تتسع فيه الفجوة بين الحاجة إلى المسكن والقدرة على تحمّل تكلفته. فالأزمة لا تتعلق فقط بمنازل دمرتها الحرب أو مشاريع متوقفة منذ سنوات، بل بسوق ترتفع فيه الأسعار إلى مستويات تفوق دخول معظم الأسر، فيما لا تزال آليات التمويل وإعادة الإعمار وحقوق الملكية تفتقر إلى حلول واضحة وشاملة.

وتقدّر وزارة الأشغال العامة والإسكان الفجوة السكنية بنحو 1.9 مليون وحدة عام 2025، مع احتمال ارتفاعها إلى 2.5 مليون بحلول 2030 إذا لم تتسارع وتيرة البناء. لكن الوصول إلى الهدف المعلن يتطلب تمويلاً ضخماً، وقدرة إنتاجية تفوق ما اعتاده القطاع، وسياسة إسكان تضمن أن تتحول الوحدات الجديدة إلى مساكن قابلة للشراء، لا إلى مشاريع استثمارية بعيدة عن متناول السوريين.

خطة طموحة أمام اقتصاد منهك

قال وزير الأشغال العامة والإسكان مصطفى عبد الرزاق إن السكن والتنمية العمرانية من أبرز التحديات خلال السنوات المقبلة، مشيراً إلى أن العجز قد يتجاوز مليوني وحدة بحلول 2030. وتتجه الوزارة إلى استقطاب الاستثمارات والشراكة مع القطاع الخاص وتطوير أراضي المؤسسة العامة للإسكان، في محاولة لزيادة المعروض من دون تحميل الدولة كامل التكلفة.

غير أن حجم الاحتياجات يضع هذه المقاربة أمام اختبار مالي صعب. فقدّر البنك الدولي تكلفة إعادة إعمار المباني السكنية بنحو 74 مليار دولار، فيما تحتاج سوريا إلى استثمارات إضافية لإصلاح البنية التحتية والخدمات الأساسية. ولا يكفي الإعلان عن مشاريع جديدة لمعالجة الأزمة، ما لم تُحدد مصادر التمويل وجداول التنفيذ وحصة المساكن المخصصة لأصحاب الدخول المحدودة.

كلفة البناء تتجاوز قدرة الأسر

يرى الخبير الاقتصادي محمود عبد الكريم أن إنتاج مليوني وحدة خلال عشر سنوات يعني بناء نحو 200 ألف وحدة سنوياً، وهو معدل يتجاوز بكثير ما استطاع القطاع تحقيقه في سنوات ما قبل الحرب. كما أن إنتاج هذا العدد يحتاج إلى نحو 5 إلى 6 ملايين طن من الإسمنت سنوياً، وفق تقديرات هندسية تقريبية، في حين لا يتجاوز الإنتاج المحلي المقدر 4.6 ملايين طن.

وتتراوح تكلفة بناء المتر المربع، بحسب تقديرات الخبير، بين 150 و200 دولار على الهيكل الإنشائي، وترتفع إلى 250–320 دولاراً مع الإكساء. وبذلك قد تتراوح تكلفة إنشاء 200 ألف وحدة سنوياً بين 30 و56 مليار دولار، تبعاً لمستوى التجهيز، قبل احتساب بعض أعباء التمويل.

وتظهر المشكلة بصورة أكثر وضوحاً عند مقارنة الأسعار بالدخول. فشقة بمساحة 100 متر مربع في ضواحي دمشق قد يتراوح سعرها بين 80 و120 ألف دولار، بينما لا يتجاوز متوسط الراتب الحكومي، وفق الأرقام الواردة في المادة، نحو 90 دولاراً شهرياً. وحتى الشقق المدعومة تبقى بعيدة عن قدرة كثير من الأسر إذا كانت الأقساط الشهرية أعلى من دخلها.

مساكن جديدة لا تعني حلاً متاحاً

تتضمن المشاريع المعلنة تجمعات سكنية كبيرة، بينها مشاريع في قدسيا والبجاع و«شام فيو» و«دمشق الجديدة». لكن مجموع الوحدات في عدد من هذه المشاريع لا يمثل سوى جزء محدود من الهدف الحكومي، كما أن توجّه كثير من الاستثمارات إلى الشرائح القادرة على الدفع بالدولار يثير سؤالاً أساسياً: من المستفيد من التوسع العمراني إذا بقيت الأسر الأكثر حاجة عاجزة عن الشراء أو الاستئجار؟

ولا تنفصل الأزمة عن ملف المساكن المتضررة والمشاريع المتعثرة. فإعادة تأهيل المنازل التي ما زالت هياكلها سليمة قد تكون أقل كلفة وأسرع من البناء الجديد، فيما يحتاج استكمال مشاريع الإسكان الشبابي والجمعيات التعاونية إلى تسوية الفجوات المالية وضمان حقوق المكتتبين الذين ينتظرون التسليم منذ سنوات.

كذلك، تبرز نزاعات الملكية في بعض المناطق التي خضعت أراضيها للاستـملاك خلال عهد النظام السابق، ما يجعل الشفافية القانونية والتعويض العادل شرطين أساسيين قبل إطلاق مشاريع جديدة قد تعقّد استعادة الحقوق.

وتكشف الخطة، في المحصلة، أن أزمة السكن في سوريا ليست نقصاً في عدد الأبنية فحسب، بل أزمة دخل وتمويل وإدارة وحقوق. وما لم تربط الحكومة مشاريع الإعمار ببرامج ترميم مدعومة وإيجارات اجتماعية وتمويل يتناسب مع دخل الأسر، فقد يرتفع عدد الوحدات السكنية من دون أن يصبح السكن أقرب إلى من يحتاج إليه فعلاً.

 

اقرأ أيضاً: عودة المهجرين السوريين ورؤية “سوريا بلا مخيمات”: تحديات السكن والخدمات وإعادة الإعمار

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.