بساتين أشرفية الوادي تواجه خطر اليباس.. 50 يوماً بلا مياه والآبار المعطلة لا تنقذ أشجار بردى

لم تعد أزمة المياه في أشرفية الوادي بريف دمشق مجرد نقص موسمي في مياه الري، بل تحولت إلى تهديد مباشر لبساتين تمتد جذورها في المكان منذ عقود. فمنذ أكثر من 50 يوماً انقطعت المياه عن الأراضي الزراعية، بالتزامن مع جفاف نهر بردى وتراجع الموارد المائية، فيما بدأت علامات اليباس تظهر على أشجار مثمرة ومعمرة يتجاوز عمر بعضها 70 عاماً.

المزارعون، الذين فقدوا المصدر الوحيد المتاح لسقاية بساتينهم، لجؤوا إلى الصهاريج لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لكن كلفة السقاية المتكررة تجعل هذا الحل عاجزاً عن التحول إلى بديل دائم. وبينما يطالب الأهالي بتشغيل الآبار الموجودة في المنطقة، ما تزال آبار أخرى تحتاج إلى تجهيز وتأهيل، في صورة تختصر فجوة متكررة بين حجم الحاجة وسرعة الاستجابة.

50 يوماً تكفي لبدء خسارة الأشجار

اعتمدت بساتين أشرفية الوادي طوال سنوات على المياه التي كانت تصل إلى سرير بردى، حتى بعد تراجع جريان النهر. ويقول أحد أعيان البلدة عبد الله أبو حطب إن هذه المياه، التي كانت تتضمن في مراحل سابقة مياه صرف صحي، شكلت لأكثر من ثلاثة عقود مصدراً متاحاً للسقاية، قبل أن تتوقف نهائياً قبل نحو 50 يوماً.

ويربط أبو حطب المشكلة أيضاً بطريقة تنفيذ مشروع الصرف الصحي سابقاً، إذ أدى تحويل المياه إلى أنابيب تحت سرير النهر، مع تراجع مياه بردى، إلى قطع مصدر المياه الذي اعتاد المزارعون الاستفادة منه.

ومع ازدياد شكاوى الأهالي من الروائح، عملت البلدية على إبقاء مياه الصرف داخل الأنابيب ضمن المسافة الممتدة من نهاية عين الفيجة حتى بداية بسيمة، ما أوقف وصولها إلى مجرى النهر، وبالتالي إلى الأراضي الزراعية.

وبذلك انتهى مصدر غير صحي لكنه كان، عملياً، آخر ما تبقى للمزارعين. ولم يترافق ذلك مع توفير بديل جاهز، لتدخل البساتين مرحلة أكثر قسوة: الجفاف بلا مورد.

أشجار عمرها 70 عاماً تحتضر

بدأت آثار الانقطاع تظهر على الحور والصفصاف والدلب والجوز والمشمش والخوخ والسفرجل، فيما دخلت بعض الأشجار المعمرة مرحلة اليباس، بحسب الأهالي.

ويشير المزارع أحمد بدران إلى أن الأشجار القديمة كانت جزءاً من اقتصاد الأسر، إلى جانب دورها في حماية الأشجار المثمرة وتوفير الغطاء الأخضر. واستبدالها ليس مسألة زراعية بسيطة؛ فالشجرة الجديدة تحتاج سنوات طويلة حتى تقترب من حجم وإنتاج ووظائف الشجرة التي قد تكون عاشت سبعة عقود.

ولا يملك المزارعون رفاهية الانتظار. فحتى الصهاريج، التي أصبحت خياراً اضطرارياً، تفرض كلفة إضافية على أصحاب الأراضي، فيما شهدت المنطقة خلال 15 يوماً أكثر من أربع حرائق، أتت على نحو أربعة إلى خمسة دونمات، وسط جفاف الأراضي وارتفاع درجات الحرارة.

الآبار موجودة.. لكن المياه لا تصل

تحولت الآبار الموجودة في المنطقة إلى عنوان للحل الإسعافي، لكن تشغيلها لا يزال مرتبطاً بالتأهيل والتجهيز والإمكانات المالية. ويشير الأهالي إلى وجود آبار في أشرفية الوادي وعين الفيجة يمكن، بحسب تصورهم، الاستفادة منها لرفد المجرى وإنقاذ البساتين.

وتقر مديرية الموارد المائية في دمشق وريفها بوجود آبار حفرت قرب مجرى بردى، لكنها لم تدخل الخدمة وتحتاج إلى تجهيزات وإعادة تأهيل، إضافة إلى تشكيل جمعيات لمستخدمي المياه وربط التشغيل بالخطط المالية.

ويضع مدير الموارد المائية باسل غفاري هذه الآبار ضمن الحلول الطارئة، بينما يرى أن معالجة المشكلة فعلياً تتطلب إحياء نهر بردى ودراسة حوضه المائي، ووقف الضخ من الآبار القريبة من منابع المياه، ومعالجة مصادر التلوث.

الجفاف لا ينتهي بانتهاء هذا الموسم

يحذر الخبير الزراعي حسام القصار من أن الإجهاد المائي يبدأ بإضعاف العمليات الحيوية للشجرة، ثم يظهر على شكل اصفرار وتساقط مبكر للأوراق وجفاف الأفرع، وقد يصل بعد استمرار الجفاف إلى موت أجزاء من الجذور والتاج، وصولاً إلى فقدان الشجرة بالكامل.

ولا تقتصر الخسارة على الموسم الحالي، إذ يمكن أن يمتد أثر الإجهاد إلى الإزهار والإنتاج في المواسم اللاحقة، كما يرفع ضعف الأشجار قابليتها للإصابة بالآفات والأمراض.

وتزداد خطورة فقدان الأشجار المعمرة بسبب وظائفها البيئية التي لا يمكن تعويضها سريعاً. ويقدر القصار أن استعادة جزء من هذه الوظائف بعد زراعة أشجار جديدة قد تحتاج إلى 20 أو 50 عاماً، وربما أكثر.

بردى يحتاج إلى خطة لا إلى إسعاف مؤجل

تبلغ مساحة الأراضي المروية المرتبطة بنهر بردى ضمن الخطة الزراعية نحو 3600 هكتار، ما يعني أن أزمة أشرفية الوادي ليست حالة محلية معزولة، بل جزء من مشكلة أوسع في إدارة مورد مائي يتراجع منسوبه وتتراكم حوله مشكلات الآبار والصرف والتلوث.

وحتى الآن، تبدو الاستجابة الحكومية موزعة بين صيانة دورية، وآبار تحتاج إلى تجهيز، ودراسات للحوض المائي، فيما تتسارع خسارة الأشجار على الأرض. وفي منطقة يعتمد فيها السكان على الزراعة، يصبح تأخير البديل أكثر من مشكلة إدارية؛ إنه قرار يرفع كلفة الخسارة مع كل يوم يمر.

فإنقاذ بساتين أشرفية الوادي لا يحتاج إلى حلول موسمية فقط، بل إلى إدارة فعلية للمياه تبدأ بتأمين السقاية العاجلة، ولا تنتهي قبل إعادة الاعتبار لنهر بردى كمورد زراعي وبيئي، بدلاً من ترك المزارعين يواجهون الجفاف بالصهاريج، بينما تبقى الآبار المعطلة والحلول المؤجلة شاهدة على اتساع الفجوة بين الحاجة والاستجابة.

 

اقرأ ايضاً: العطش يطرق أبواب ريف دمشق الغربي.. سكان جديدة الشيباني وأشرفية الوادي يشترون المياه رغم وفرتها

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.