السفن الروسية تعود إلى ميناء طرطوس.. تفاهمات دمشق وموسكو تصطدم بواقع غامض
عادت سفن تابعة للبحرية الروسية إلى ميناء طرطوس، في مشهد يفتح مجدداً ملف الوجود الروسي على الساحل السوري، بعد أسابيع من إعلان دمشق وموسكو تفاهمات يفترض أن تعيد للجانب السوري إدارة منشآت كانت تحت السيطرة الروسية. وبينما تتحدث الحكومة الانتقالية عن مرحلة جديدة في العلاقات مع موسكو، توحي عودة السفن بأن صورة الوجود الروسي لم تستقر بعد، وأن ما أعلنته دمشق سياسياً لا يزال بحاجة إلى ترجمة واضحة على الأرض.
وبحسب إذاعة “أوروبا الحرة/راديو ليبرتي”، أظهرت صور التقطت مطلع أيلول وجود عدد من السفن الروسية في الميناء، بينها المدمرة “الأدميرال ليفشينكو” وسفينتا الإمداد “سبارتا” و”أكاديميك باشين”. وكانت السفن قد تحركت في البحر المتوسط باتجاه شرق المتوسط أواخر آب، بعد عبورها مضيق جبل طارق في 27 منه.
إدارة سورية معلنة.. ووجود روسي مستمر
تأتي عودة السفن بعد إعلان وزارة الخارجية السورية في آب التوصل إلى تفاهم مع موسكو بشأن إدارة المنشآت ذات الطابع المدني التي كانت تستخدمها روسيا في الساحل.
وشملت التفاهمات، وفق الخارجية، مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع في ميناء طرطوس، إلى جانب تحويل القواعد العسكرية الروسية إلى مراكز تدريب وتأهيل مشتركة، مع تحديد مهلة ثلاثة أشهر لاستكمال الترتيبات الجديدة.
كما أعلنت الهيئة العامة للمنافذ والجمارك تسلم المواقع التجارية التي كانت تشغلها روسيا في مرفأ طرطوس، فيما قالت هيئة الطيران المدني إن زيارة المسؤولين السوريين إلى مطار اللاذقية جاءت لمتابعة عودة إدارته إلى الجانب السوري.
لكن هذه الخطوات الإدارية لا تقدم وحدها إجابة عن طبيعة الوجود العسكري الروسي الفعلي. فوجود سفن حربية وسفن إمداد في الميناء، بعد الحديث عن إعادة ترتيب المنشآت، يترك مساحة واسعة للتساؤلات حول حدود الاتفاق وآليات تطبيقه، وما إذا كانت دمشق تملك فعلاً القدرة على فرض الترتيبات التي أعلنتها.
من 114 موقعاً إلى قاعدتين
لم يكن الحضور الروسي في سوريا تفصيلاً عابراً. فقد توسع منذ التدخل العسكري الروسي عام 2015 إلى شبكة واسعة من القواعد والنقاط العسكرية واللوجستية، بلغ عددها نحو 114 موقعاً في منتصف 2024.
وتقلص هذا الانتشار بصورة كبيرة بعد سقوط النظام السابق في كانون الأول 2024، وصولاً إلى انحصار الوجود الروسي في قاعدتي حميميم وطرطوس بحلول شباط الماضي، بعد انسحابات متتالية من مواقع أخرى، بينها مطار القامشلي.
وهذا الانكماش لم يعنِ خروج موسكو من المشهد السوري، بل انتقال العلاقة إلى صيغة أكثر تعقيداً. فروسيا، التي خسرت جزءاً كبيراً من انتشارها السابق، ما تزال تحتفظ بأهم موطئ قدم لها على الساحل، فيما تسعى دمشق إلى الحفاظ على علاقة سياسية معها رغم إرث الدعم الروسي للنظام السابق.
تفاهمات بلا صورة نهائية
حافظت الحكومة الانتقالية على قنوات اتصال نشطة مع موسكو، وزار الرئيس أحمد الشرع روسيا، كما تبادل الطرفان زيارات سياسية وعسكرية. إلا أن استمرار ظهور القطع البحرية الروسية في طرطوس يكشف أن ملف القواعد والمنشآت لم يصل بعد إلى صيغة نهائية يمكن التعامل معها باعتبارها مستقرة.
المشكلة بالنسبة إلى الحكومة الانتقالية لا تتعلق فقط بما إذا كانت السفن ستغادر الميناء، بل بمدى وضوح الاتفاقات التي تعقدها دمشق، وحدود الصلاحيات والسيطرة التي تملكها، وكيفية ضمان ألا تتحول التفاهمات المعلنة إلى ترتيبات غامضة تترك القرار الفعلي موزعاً بين أكثر من طرف.
وبين إعلان استعادة المنشآت وعودة السفن الروسية إلى أحد أهم الموانئ السورية، تبدو الصورة بحاجة إلى قدر أكبر من الشفافية. فالساحل الذي يفترض أن يكون تحت إدارة الدولة لا يحتمل بقاء حدود الوجود الأجنبي معلقة بين البيانات الرسمية والمشهد الميداني.
اقرأ أيضاً: روسيا تعيد ترتيب أوراقها في سوريا.. قواعد عسكرية ثابتة ونفوذ اقتصادي يتجدد