بوابات إسرائيلية وقواعد عسكرية جديدة في القنيطرة.. إجراءات ميدانية تغيّر واقع المنطقة
تشهد محافظة القنيطرة خلال الأشهر الماضية تغيرات ميدانية متسارعة داخل المنطقة العازلة، تمثلت في توسع الوجود العسكري الإسرائيلي من خلال إنشاء قواعد جديدة، وشق طرق عسكرية، وإقامة سواتر ترابية، إلى جانب نصب بوابات حديدية في عدد من المواقع الحدودية، في خطوة يرى سكان المنطقة أنها تجاوزت الطابع العسكري المؤقت، وأصبحت تؤثر بشكل مباشر في حركة المدنيين ونشاطهم الزراعي واليومي.
ومنذ احتلال قوات الاحتلال الإسرائيلي المنطقة العازلة عقب سقوط النظام السوري السابق في 8 كانون الأول/ديسمبر 2024، توسعت التحركات العسكرية تدريجياً، لتشمل إنشاء بنية ميدانية متكاملة تضم قواعد ونقاط مراقبة وطرقاً عسكرية وبوابات تستخدم لعبور الآليات العسكرية، فيما يشكو السكان من تقييد وصولهم إلى أراضيهم وإغلاق عدد من الطرق التي تربط القرى الحدودية بمركز محافظة القنيطرة.
انتشار البوابات في عدة مناطق
ورصد سكان محليون خلال الأشهر الأخيرة إقامة بوابات عسكرية في عدة مناطق بريف القنيطرة، من بينها جباتا الخشب، والحميدية، وحضر، ورسم الرواضي، والصمدانية الغربية، قبل أن تنشئ القوات الإسرائيلية أحدث هذه البوابات في محيط بلدة الرفيد بريف القنيطرة الجنوبي في 26 حزيران/يونيو 2026.
وتقع غالبية هذه البوابات بالقرب من القواعد العسكرية التي استحدثتها القوات الإسرائيلية داخل المنطقة العازلة، وتستخدم لعبور الدوريات والآليات العسكرية والدبابات، في حين يمنع المدنيون من الاقتراب منها أو استخدامها.
ويقول سكان في المنطقة إن هذه البوابات لم تعد تقتصر على كونها مداخل للمواقع العسكرية، بل أصبحت تشكل نقاط فصل جديدة بين الأهالي وأراضيهم الزراعية، كما فرضت قيوداً إضافية على حركة السكان داخل القرى الحدودية.
إغلاق طرق وتراجع النشاط الزراعي
وتزامن إنشاء البوابات مع إغلاق عدد من الطرق الرئيسية والفرعية بواسطة سواتر ترابية وأكوام من الصخور، الأمر الذي أثر على حركة التنقل بين القرى.
وفي منطقة حرش جباتا الخشب، خرجت مساحات زراعية واسعة من الخدمة بعد إقامة بوابة عسكرية قرب إحدى القواعد المستحدثة، ما حال دون وصول عدد من المزارعين إلى أراضيهم.
كما أُغلق الطريق الواصل بين بلدة الحميدية ومدينة القنيطرة، إلى جانب طرق أخرى تؤدي إلى القرى الحدودية، فيما توقفت الحركة على الطرق المؤدية إلى سد المنطرة، وأصبح الطريق الرئيسي بين كودنة والأصبح خارج الخدمة، ما اضطر السكان إلى استخدام طرق زراعية أطول وأكثر صعوبة.
وقال تامر، وهو أحد سكان بلدة الحميدية، إن هذه الإجراءات أثرت بشكل كبير في الحياة اليومية للأهالي، موضحاً أن الوصول إلى الأراضي الزراعية أصبح أكثر تعقيداً، في حين باتت بعض الأراضي خارج نطاق الوصول بالكامل نتيجة منع الاقتراب منها.
وأضاف أن عدداً من المزارعين توقفوا عن العمل في الأراضي القريبة من الشريط الحدودي، خشية التعرض لإطلاق النار أو الاحتجاز خلال تحركات القوات الإسرائيلية.
من جهتها، أوضحت عائشة، من بلدة الحميدية، أن إغلاق الطرق الرئيسية زاد من الوقت اللازم للتنقل بين القرى، وأثر على الوصول إلى الخدمات الأساسية، كما ضاعف الأعباء الاقتصادية على الأسر التي تعتمد في دخلها على الزراعة وتربية المواشي.
وأضافت أن البوابات والسواتر الترابية تحولت من إجراءات عسكرية إلى واقع يفرض عزلة متزايدة على القرى الحدودية، ويحد من قدرة السكان على الاستفادة من أراضيهم الزراعية.
ناشط ميداني: البوابات تخدم أهدافاً أمنية ونفسية
وقال الصحفي والناشط الميداني أمجد الحجي إن أولى البوابات الإسرائيلية ظهرت مع بداية التوغلات العسكرية باتجاه القرى القريبة من خط فض الاشتباك، حيث نُصبت في قريتي رسم الشولي ورسم الرواضي، قبل أن تزال لاحقاً، لتعود القوات الإسرائيلية إلى إنشاء بوابات جديدة في مواقع أخرى.
وأوضح أن إقامة هذه البوابات ترتبط، من وجهة نظره، بهدفين رئيسيين، الأول يتمثل في تعزيز الانتشار العسكري من خلال ربط القواعد المستحدثة بشبكة من الطرق العسكرية التي تسهل حركة الآليات والعناصر بين مواقع الانتشار.
أما الهدف الثاني، بحسب الحجي، فيتعلق بالأثر النفسي على السكان، إذ يرى أن البوابات والحواجز والمداهمات تشكل أدوات لإبقاء السكان في حالة مستمرة من الشعور بوجود الاحتلال، وتحويل هذا الواقع إلى جزء من حياتهم اليومية.
وأشار إلى أن إنشاء البوابات أدى إلى اقتطاع أراضٍ زراعية ومنع أصحابها من الوصول إليها، إضافة إلى إغلاق طرق زراعية كانت تستخدم للتنقل بين القرى، ما انعكس سلباً على الأنشطة الزراعية والرعوية.
وأضاف أن من أبرز الوقائع التي رافقت هذه الإجراءات ما حدث في قرية رسم الشولي، حيث فرضت القوات الإسرائيلية في البداية أوقاتاً محددة لدخول الأهالي إلى القرية والخروج منها قبل إزالة البوابة لاحقاً، فضلاً عن منع عدد من مزارعي جباتا الخشب من الوصول إلى أراضيهم.
ويرى الحجي أن هذه البوابات تمثل جزءاً من واقع جديد تعمل إسرائيل على ترسيخه داخل المنطقة العازلة تحت مبررات أمنية، لافتاً إلى أن إزالة بعض البوابات لا تعني انتهاء هذه السياسة، إذ قد تكون وسيلة ضغط مؤقتة أو جزءاً من خطة أوسع لإعادة نشرها بصورة دائمة.
وأشار إلى أن ذراع بعض هذه البوابات الحديدية الصفراء يصل إلى نحو عشرين متراً، فيما تبقى مفاتيحها بيد الجنود الإسرائيليين.
خبير عسكري: تغيير في معادلة المنطقة العازلة
من جانبه، قال الخبير العسكري العقيد أكرم أبو ميجنا إن إنشاء القواعد العسكرية والبوابات داخل المنطقة العازلة يهدف إلى فرض واقع أمني وعسكري جديد، من خلال إقامة خط دفاع متقدم يمنح القوات الإسرائيلية حرية أكبر في الحركة والمراقبة.
وأوضح أن هذه البوابات ليست مجرد نقاط عبور، وإنما تدخل ضمن منظومة عسكرية متكاملة تضم قواعد محصنة ونقاط مراقبة ورصد، بما يتيح للقوات الإسرائيلية تنفيذ تحركاتها العسكرية بسرعة وتعزيز سيطرتها على المناطق المحاذية للجولان السوري المحتل.
وأضاف أن انتشار هذه المنشآت يمنح “إسرائيل” عمقاً دفاعياً خارج حدودها المعترف بها دولياً، ويؤسس لبنية عملياتية جديدة تختلف عن الواقع الذي كان قائماً منذ توقيع اتفاقية فض الاشتباك عام 1974.
واعتبر أبو ميجنا أن هذه الإجراءات تمثل خرقاً لاتفاقية فض الاشتباك الموقعة برعاية الأمم المتحدة، مشيراً إلى أن إسرائيل تعتبر الاتفاقية فقدت أسسها بعد سقوط النظام السوري السابق، وتسعى إلى فرض ترتيبات أمنية جديدة تتوافق مع رؤيتها الأمنية.
وأضاف أن الوجود العسكري الإسرائيلي الحالي قد يكون مؤقتاً إلى حين التوصل إلى تفاهمات أو ترتيبات جديدة، لكنه حذر من أن استمرار بناء القواعد والبوابات قد يؤدي إلى تكريس واقع ميداني يصعب تغييره في حال غياب تحرك سياسي ودولي فاعل.
واقع ميداني يتغير
ويرى متابعون أن البوابات التي أقيمت خلال الفترة الماضية أصبحت جزءاً من منظومة عسكرية تشمل قواعد جديدة، وطرقاً مخصصة للتحركات العسكرية، وسواتر ترابية، ونقاط مراقبة، بما يمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على الانتشار داخل المنطقة العازلة.
وفي المقابل، يواجه سكان القرى الحدودية واقعاً مختلفاً يتمثل في تقلص المساحات المتاحة للزراعة والرعي، وإغلاق عدد من الطرق الحيوية، وازدياد المناطق التي يمنع الوصول إليها، الأمر الذي انعكس على مختلف جوانب الحياة اليومية.
ومع استمرار إنشاء القواعد العسكرية والبوابات وإغلاق المزيد من الطرق، تتزايد مخاوف الأهالي من تحول هذه الإجراءات إلى واقع طويل الأمد قد يعيد رسم المشهد الميداني في المنطقة العازلة، ويغيّر طبيعة الحياة في القرى الحدودية بمحافظة القنيطرة.
اقرأ أيضاً:قصف مدفعي إسرائيلي يستهدف ريفي درعا والقنيطرة وسط تحليق استطلاعي مكثف