دمشق: ظاهرة “المشردين” تغزو الساحات والحدائق في ظل الأزمة الاقتصادية

تحولت شوارع العاصمة السورية دمشق، التي تُعرف بحيويتها وأسواقها، إلى ملاذ أخير لمئات الأشخاص الذين اتخذوا من الساحات العامة والأرصفة والحدائق “بيوتاً بديلة”. هذه الظاهرة، التي لم تعد مجرد مشاهد عابرة، باتت تكشف عن عمق التفكك الاجتماعي والانهيار الاقتصادي الذي يعصف بالبلاد.

جغرافيا التشرد في دمشق: الساحات كأماكن للإقامة

باتت مناطق حيوية في دمشق مقصداً دائماً لمن فقدوا المأوى، ومن أبرزها:

  • ساحة المرجة: مركز تجمع الباحثين عن عمل والنازحين من المحافظات البعيدة.

  • حدائق شارع الثورة: مأوى للنساء والأطفال الذين هجروا منازلهم قسراً (خلال فترة الحرب في سوريا).

  • أزقة دمشق القديمة: حيث يختبئ المشردون قرب المحال التجارية والمقاهي.

قصص من الواقع: “الحديقة أصبحت عالمي”

خلف كل شخص يفترش الأرض قصة مأساوية تلخص حال الفئات الأكثر هشاشة:

1. عائشة: من ريف دمشق إلى أرصفة العاصمة

سيدة خمسينية فقدت منزلها بسبب القصف، وجدت نفسها وحيدة في دمشق. تبيع “البسكويت” نهاراً وتنام في الحديقة ليلاً. تقول عائشة: “الحديقة أصبحت منزلي، أستخدم المرافق العامة للنظافة الشخصية، وأواجه البرد والخوف بمفردي.”

2. راشد: خيبة الأمل والعزلة الاجتماعية

شاب ثلاثيني نزح من دير الزور بحثاً عن عمل، انتهى به المطاف في ساحة المرجة بلا دخل أو عائلة. يعكس حال راشد أزمة الشباب السوري الذين تقطعت بهم سبل التواصل مع ذويهم وأصبح الشارع خيارهم القسري الوحيد.

3. الطفلة ريم: ضحية العنف والاستغلال الأسري

ريم (12 عاماً)، تبيع الورود في أزقة دمشق القديمة، وتخشى العودة إلى المنزل خوفاً من “زوج والدتها” الذي يجبرها على العمل. ريم تمثل آلاف الأطفال الذين يفضلون مخاطر الشارع على عنف المنازل، مما يجعلهم عرضة للضياع والتحرش.

تحليل اجتماعي: لماذا يتزايد عدد المشردين في دمشق؟

ترى الباحثة الاجتماعية هبة الدرويش في حديثها لجريدة “عنب بلدي” أن هذه الظاهرة مؤشر على تحولات بنيوية عميقة، وتحدد الأسباب في:

  1. أزمة الإيجارات: الارتفاع الفاحش في أسعار المساكن مقارنة بالدخول المتدنية جداً.

  2. البطالة والنزوح: فقدان مصادر الرزق في المناطق الأصلية وصعوبة الاندماج في اقتصاد العاصمة.

  3. التفكك الأسري: العنف المنزلي الذي يدفع النساء والأطفال للهروب نحو الشارع.

  4. غياب الحماية الاجتماعية: نقص مراكز الإيواء المتخصصة والرعاية النفسية للفئات المشردة.

الآثار النفسية والمخاطر المستقبلية

تحذر الدراسات الاجتماعية من أن الحياة الطويلة في الشارع تؤدي إلى:

  • القلق المزمن والاكتئاب: الشعور بالدونية وفقدان الثقة بالمجتمع.

  • مخاطر التحرش والاستغلال: خاصة بالنسبة للنساء والأطفال في الأماكن المعزولة.

  • الانحراف والتسرب المدرسي: ضياع جيل كامل من الأطفال الذين يقضون طفولتهم في التسول والعمل الشاق.

الخلاصة: إن ظاهرة النوم في شوارع دمشق ليست مجرد نتيجة للفقر، بل هي صرخة إنسانية تتطلب حلولاً جذرية تشمل خطط إيواء دائمة، ودعماً اقتصادياً للأسر، وتفعيل قوانين حماية الطفل والمرأة من الاستغلال.

إقرأ أيضاً: تفاقم ظاهرة عمالة الأطفال في دمشق.. فقر مدقع يدفع الصغار إلى نبش القمامة والعمل بالشوارع

إقرأ أيضاً: خطاب الكراهية وفتنة بتول علوش: كيف تهدد الفتاوى المتطرفة السلم الأهلي في سوريا؟

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.