من القيادة العسكرية إلى هندسة السياسة… مظلوم عبدي يفتح باب التحول في شمال شرق سوريا
في مشهد يعكس انتقالاً هادئاً لكنه عميق الدلالة داخل بنية القوى الفاعلة في شمال شرق سوريا، تتجه الأنظار إلى القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، مظلوم عبدي، الذي يبدو أنه يتهيأ لمغادرة موقعه العسكري تدريجياً نحو مساحة سياسية أوسع، في مرحلة يُعاد فيها رسم خرائط النفوذ والتمثيل داخل واحدة من أكثر مناطق سوريا تعقيداً.
عبدي بين نهاية الدور العسكري وبداية الحسابات السياسية
كشف مصدر مطلع أن مظلوم عبدي لا يتجه لتولي أي منصب رسمي داخل مؤسسات الدولة السورية في حال استكمال مسار الاندماج الجاري بين قوات سوريا الديمقراطية وبنية الدولة، بل يميل إلى إعادة تموضعه داخل المجال السياسي والحزبي.
هذا التحول، وفق المصدر، لا يُقرأ كخروج من المشهد، بل كإعادة تعريف للدور، من قائد عسكري في مرحلة حرب مفتوحة إلى لاعب سياسي في مرحلة انتقال هشّة، حيث تتداخل التسويات مع إعادة توزيع مراكز النفوذ.
مشروع كردي موحد في بيئة منقسمة
في موازاة هذا التحول، يعمل عبدي على بلورة مشروع سياسي يهدف إلى توحيد الأحزاب والقوى الكردية السورية ضمن إطار واحد، في محاولة لتجاوز حالة التشتت المزمنة التي طبعت المشهد السياسي الكردي لسنوات طويلة.
هذا المسار، إن اكتمل، لا يعكس فقط رغبة في التنظيم الداخلي، بل يشير إلى محاولة لإعادة إنتاج تمثيل سياسي أكثر تماسكاً في مرحلة يُعاد فيها تعريف علاقة شمال شرق سوريا بمركز الدولة.
الاندماج المؤجل: قوات بلا حسم نهائي
رغم الحديث المتكرر عن إعادة هيكلة قوات سوريا الديمقراطية ودمجها ضمن مؤسسات الدولة، يؤكد المصدر أن ملف الحل النهائي لا يزال بعيداً عن الإعلان الرسمي، بسبب تعقيدات تتعلق بآلاف المقاتلين الذين لم يدخلوا بعد في أي ترتيبات اندماج واضحة.
هذا الواقع يجعل أي إعلان عن حل القوات سابقاً لأوانه، في ظل استمرار وجود تشكيلات متعددة خارج الاتفاقات الجارية، ما يفرض، بحسب المصدر، البحث عن صيغ قانونية وتنظيمية لتسوية أوضاعها تدريجياً.
أدوات ضغط ناعمة: المال كوسيلة إعادة ضبط
تترافق هذه المرحلة مع إجراءات وصفت بأنها أدوات ضغط غير مباشرة، شملت تقليص أو وقف الدعم المالي واللوجستي عن بعض التشكيلات غير المنضوية في مسار التسوية، بما في ذلك الرواتب والمخصصات التشغيلية.
هذه السياسة، وفق المصدر، تهدف إلى دفع هذه المجموعات نحو خيارات الاندماج، في وقت تتقلص فيه هوامش الاستقلال العسكري تدريجياً، مقابل محاولات فرض بنية أمنية أكثر انضباطاً داخل الإقليم.
شمال شرق سوريا أمام إعادة تشكيل بطيئة
تشير المعطيات المتداولة إلى أن عدداً من المجموعات العسكرية، مثل بعض الوحدات المرتبطة بـ “جي سوار” و”اللواء الشمالي الديمقراطي”، ما تزال خارج ترتيبات الاندماج، ما يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى مشهد غير مستقر أساساً.
في الخلفية، يبدو أن التحول الجاري لا يقتصر على إعادة هيكلة عسكرية، بل يمتد إلى إعادة رسم المشهد السياسي الكردي نفسه، في منطقة تتقاطع فيها الحسابات المحلية مع التوازنات الإقليمية والدولية.
انتقال بلا ضمانات
في المحصلة، يبدو أن مظلوم عبدي يقف عند عتبة انتقال مزدوج من موقع عسكري تشكّل في سياق الحرب، إلى دور سياسي لم تتضح حدوده بعد، في بيئة ما تزال تتشكل سياسياً وأمنياً دون استقرار نهائي.
لكن هذا الانتقال، رغم ما يحمله من مؤشرات إعادة تموضع، يبقى محكوماً بسياق أوسع من الغموض، حيث لا تزال خرائط القوة في شمال شرق سوريا قابلة لإعادة الرسم، وفق توازنات لم تستقر بعد، ومرحلة انتقال لا تبدو قريبة من نهايتها.
اقرأ أيضاً: قسد تفرض شروطها في الاندماج.. محاصصة للمناصب الإدارية في الحسكة تميل لصالح الكرد