خريطة النفوذ العسكري في سوريا: تحولات استراتيجية وإعادة رسم القوى

تعد سوريا اليوم واحدة من أكثر المناطق تعقيداً في الشرق الأوسط، حيث تشهد مرحلة انتقالية كبرى أعقبت سقوط النظام السابق في ديسمبر 2024. تتداخل في هذه الساحة أدوار قوى دولية (أمريكا وروسيا) وإقليمية (تركيا وإسرائيل)، مما أنتج واقعاً أمنياً جديداً يتسم بإعادة التموضع والانسحابات الاستراتيجية.

أولاً: الوجود الأمريكي في سوريا.. من “التحالف” إلى الانسحاب الكامل

شكل شهر نيسان (أبريل) 2026 نقطة تحول مفصلية بانتهاء الوجود العسكري الأمريكي المباشر في سوريا.

  • طبيعة الانتشار السابق: اعتمدت واشنطن على “الانتشار النقطي” المرن في محافظات الحسكة، دير الزور، وقاعدة “التنف”، بزعم مكافحة الإرهاب.

  • مسار الانسحاب: جرى الانسحاب بشكل تدريجي شمل قواعد (الشدادي، رميلان، والتنف)، وانتهى بإخلاء قاعدة “قسرك” بريف الحسكة وتدشين مرحلة جديدة من التنسيق الأمني.

  • دوافع التراجع: تراجع مبررات الوجود المباشر، انضمام سوريا الجديدة لـ “لتحالف الدولي” ضد داعش.

ثانياً: روسيا في سوريا.. الانكفاء نحو “القلب الاستراتيجي”

بعد أن كان لروسيا أكثر من 114 موقعاً عسكرياً في منتصف 2024، تقلص نفوذها بشكل دراماتيكي نتيجة المتغيرات الميدانية والضغوط الدولية.

خريطة القواعد الروسية الحالية:

انحصر الوجود الروسي في مطلع عام 2026 في موقعين فقط على الساحل السوري:

  1. قاعدة حميميم الجوية: مركز العمليات الجوية والاستطلاع.

  2. قاعدة طرطوس البحرية: البوابة الاستراتيجية لروسيا نحو “المياه الدافئة” في المتوسط.

لماذا تراجع النفوذ الروسي؟

  • الاستنزاف العسكري في الحرب الأوكرانية.

  • تغير السلطة في دمشق وفقدان الحليف التقليدي.

  • الضغوط الغربية الرامية لتقليص نفوذ موسكو في الشرق الأوسط.

ثالثاً: تركيا.. مزاعم حماية الأمن القومي ومساعي الاستقرار

تربط تركيا وجودها في سوريا ببعد أمني وقومي عميق، يتمحور حول منع قيام كيانات تهدد حدودها الجنوبية.

  • العمليات العسكرية الكبرى: أسست تركيا نفوذها عبر ثلاث عمليات (درع الفرات، غصن الزيتون، نبع السلام)، مما خلق مناطق نفوذ مستقرة في ريف حلب الشمالي وتل أبيض ورأس العين.

  • مستقبل الوجود التركي: في ظل التقارب بين أنقرة والسلطة الانتقالية في دمشق، يتحول الدور التركي من “المواجهة” إلى “الشراكة الأمنية”، مع احتمالات لإنشاء قواعد لوجستية مشتركة.

رابعاً: “إسرائيل” والتوغل الجنوبي.. رسائل عسكرية وتحركات ميدانية

على خلاف القوى الأخرى، تعتمد “إسرائيل” على “التدخل الجراحي” والتوغل البري زاعمةً بذلك حماية أمنها من أي فراغ قد تستغله جماعات متطرفة.

  • قواعد “المنطقة الصفراء”: تسيطر “إسرائيل” حالياً على حوالي 9 نقاط وقواعد ذات طابع لوجستي واستخباري في ريف القنيطرة ودرعا (أبرزها: قرص النفل، تل أحمر، وجباثا الخشب).

  • الموقف السوري: تدعو السلطات السورية الجديدة للعودة إلى اتفاقية “فض الاشتباك 1974” وتجنب التصعيد العسكري، بينما تصر “إسرائيل” على تثبيت نقاط مراقبة لضمان أمن الجولان المحتل.

خلاصة المشهد العسكري في سوريا

تنتقل سوريا من مرحلة “الصراع المفتوح” إلى مرحلة “إدارة النفوذ المنضبط”. وبينما تنسحب القوات الأمريكية وتنكفئ الروسية، يبرز الدور التركي كعامل توازن إقليمي، وتظل التحركات الإسرائيلية في الجنوب مرتبطة بمدى قدرة الحكومة المركزية في دمشق على فرض سيطرتها الأمنية وفرض واقع مغاير.

إقرأ أيضاً: مستقبل الطاقة في سوريا: هل ينجح أحمد الشرع في الموازنة بين النفط الروسي والانفتاح الغربي؟

إقرأ أيضاً: تقرير أمريكي: روسيا تعيد تفعيل اتفاقياتها الدفاعية في سوريا وتعزز وجودها البحري

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.