تسلّم الرصيف الرابع في مرفأ طرطوس.. مكاسب محتملة للاقتصاد أم فرصة مهدورة؟

لم يعد الرصيف التجاري الرابع في مرفأ طرطوس مجرد مساحة بحرية لاستقبال السفن وتفريغ البضائع؛ فاستعادته من الإدارة الروسية تضع الحكومة السورية الانتقالية أمام اختبار أكثر صعوبة من مجرد استلام المفاتيح. فامتلاك المرفق شيء، وإدارته بكفاءة وتحويله إلى رافعة للاقتصاد شيء آخر تماماً.

وبموجب التفاهم السوري–الروسي الأخير، تتولى الحكومة السورية إدارة الرصيف رقم «4» والمستودعات والمنشآت التابعة له، ضمن عملية تحويل يفترض استكمالها خلال ثلاثة أشهر. ويأتي ذلك في إطار تفاهم أوسع يشمل منشآت مدنية أخرى كانت روسيا تديرها في الساحل السوري، بينها مطار حميميم.

رصيف أكبر.. ومكاسب ليست مضمونة

يمتد الرصيف الرابع على نحو 630 متراً، بغاطس يتدرج من 10 أمتار شرقاً إلى 13.20 متراً غرباً، ويجاور الرصيف الخامس المخصص لسفن «الرورو». وتتيح مواصفاته استقبال ثلاث سفن كبيرة في وقت واحد، بحمولات تصل إلى 55 ألف طن، إلى جانب الاستفادة من المستودعات ومساحات التخزين المحاذية له.

وبحسب مدير إدارة العلاقات والتعاون الدولي في الهيئة العامة للمنافذ والجمارك، مازن علوش، فإن دخول الرصيف إلى الخدمة من شأنه رفع الطاقة التشغيلية للمرفأ، وتخفيف الضغط عن الأرصفة الأخرى، وتسريع عمليات الشحن والتفريغ وتقليص زمن انتظار السفن.

لكن هذه الوعود تصطدم بسؤال أكثر جوهرية: هل تستطيع الحكومة الانتقالية تحويل هذه القدرة النظرية إلى وفر حقيقي في الاقتصاد السوري؟

فالزيادة في الطاقة الاستيعابية لا تعني تلقائياً انخفاض أسعار السلع. ويشير أستاذ التمويل والمصارف عبد الرحمن محمد إلى أن أي وفر محتمل سيبقى رهناً بكفاءة الإدارة، وتوافر العمالة الماهرة، وتحديث أنظمة المناولة وربطها بالجمارك، فضلاً عن كفاءة النقل البري وتكاليف المحروقات وسعر الصرف والرسوم.

وفي اقتصاد مثقل بالاختناقات، قد تتحول زيادة السعة التشغيلية إلى رقم جميل في البيانات الرسمية إذا بقيت البيروقراطية ونقاط الاختناق خارج المرفأ على حالها.

من الامتياز الروسي إلى عبء الإدارة السورية

يحمل استلام الرصيف دلالة سيادية واضحة، باعتباره إعادة إدارة مرفق حيوي إلى الدولة السورية، لكنه في الوقت نفسه ينقل عبء المسؤولية من الطرف الروسي إلى الحكومة الانتقالية.

وهنا تحديداً تبدأ المشكلة الحقيقية.

فالسوريون لا يحتاجون إلى إعلان استعادة الرصيف بقدر حاجتهم إلى رؤية أثره في المرفأ والسوق: سفن تنتظر وقتاً أقل، بضائع تصل بكلفة أدنى، إجراءات جمركية أسرع، وإيرادات عامة لا تتسرب وسط التعقيدات الإدارية.

أما إذا بقيت حلقات سلسلة التوريد محكومة بالبطء الإداري وضعف التنسيق، فإن الرصيف الجديد قد يصبح مجرد منشأة مستعادة على الورق، فيما تبقى كلفة الاستيراد مرتفعة والأسعار بعيدة عن أي تحسن.

كما أن انتقال إدارة المرفق يفرض على الحكومة الانتقالية مسؤولية كشف تفاصيل التشغيل والإيرادات والاستثمارات وآليات التعاقد، خصوصاً في ظل حساسية ملف المرافئ وما ارتبط به خلال السنوات الماضية من نفوذ اقتصادي وسياسي.

ثلاثة أشهر لا تكفي لصناعة تحول اقتصادي

حددت مذكرة التفاهم ثلاثة أشهر لاستكمال عملية التحويل، وهي مدة قد تكون كافية إدارياً لاستلام المنشآت، لكنها لا تكفي وحدها لإعادة بناء منظومة تشغيلية متكاملة.

وتحتاج الحكومة إلى إدارة قادرة على تشغيل الرصيف بكفاءة، وربطه بسلاسة مع الجمارك والنقل والتخزين، وتوفير المعدات والكوادر، والأهم ضمان عدم تحول استعادة المرفق إلى إعادة إنتاج البيروقراطية نفسها التي عطلت قطاعات الدولة لعقود.

وبذلك، فإن الرصيف الرابع لا يمثل فقط مكسباً سيادياً للحكومة الانتقالية، بل امتحاناً لقدرتها على إدارة ما تستعيده.

فالمرحلة المقبلة لن تُقاس بعدد المنشآت التي عادت إلى الإدارة السورية، بل بما إذا كانت هذه المنشآت ستتحول فعلاً إلى موارد منتجة تخفف كلفة الحياة عن السوريين، أم ستبقى شاهداً جديداً على اقتصاد يستعيد ممتلكاته أسرع مما يستعيد قدرته على إدارتها.

 

اقرأ أيضاً: من القواعد إلى «مراكز التدريب».. ماذا بقي لروسيا في الساحل السوري؟

حساباتنا: فيسبوك  تلغرام يوتيوب تويتر انستغرام

المزيد ايضا..
اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.