الاقتصاد السوري في صيف 2026: نمو وهمي بـ 10% وتحديات معيشية وأمنية معقدة
يعيش الاقتصاد السوري في صيف 2026 حالة حادة من التناقض الميداني والإحصائي؛ فبينما تشير تقارير وتوقعات دولية (من بينها صندوق النقد الدولي) إلى نمو اقتصادي يتجاوز 10% مدعوماً بتعافي قطاع الزراعة وزيادة إنتاج النفط والغاز، يواجه الشارع السوري واقعاً معيشياً صعباً يترجمه تراجع القوة الشرائية، وتضخم متسارع، وطوابير انتظار المحروقات.
تطرح هذه الفجوة تساؤلات جوهرية لدى الخبراء والمواطنين: هل يعكس هذا النمو تعافياً اقتصادياً حقيقياً، أم أنه مجرد أرقام إحصائية مجردة أمام اقتصاد يواجه أعباء إعادة إعمار تتجاوز 216 مليار دولار؟
مفارقة الأرقام: كيف ينتج نمو 10% طوابير للوقود وتضخماً؟
تُظهر البيانات الرسمية مؤشرات إيجابية على الورق، لكن المقارنة التحليلية للواقع تكشف أسباب هذا التباين:
-
تأثير سنة الأساس: يوضح الباحثون الاقتصاديون أن النمو المسجل بنسبة 10% هو نمو إحصائي مجرد يرجع لمقارنته بسنوات الانكماش الحاد والانهيار السابق. أي أن أي زيادة طفيفة في النشاط التجاري تظهر كنسبة مئوية مرتفعة دون أن تعكس زيادة حقيقية في الإنتاجية أو الرفاه.
-
الإنفاق الحكومي والتضخم: يفتقر الإنفاق العام المخطط لغيمة إنتاجية موازية، مما ينعكس بشكل مباشر على شكل تضخم نقدي يتسبب في تآكل أجور الطبقة الوسطى والكوادر الوظيفية.
-
اعتماد طفيلي على التحويلات: تحولت تحويلات المغتربين والعمالة الخارجية إلى شريان الحياة الأساسي لمئات الآلاف من العائلات، حيث تُغطي الحد الأدنى من تكاليف الغذاء والطاقة وسط انخفاض القدرة التنافسية للقطاعات الصناعية والتجارية المحلية.
التوازن الهش وتشتت أسواق الصرف المحلية
لا يقتصر التحدي الاقتصادي على معطيات السياسة النقدية العامة، بل يمتد إلى عدم تجانس الأسواق الداخلية:
-
تباين أسعار الصرف بين المحافظات: يرى خبراء اقتصاد أن تباين سعر صرف الليرة السورية بين منطقة وأخرى يعكس تراجع تكامل السوق الوطنية، وارتفاع تكاليف التحويل والنقل الداخلي، وضعف الثقة بالأسواق.
-
هشاشة قطاع الطاقة: تظل إمدادات الوقود والكهرباء الحلقة الأضعف؛ حيث يؤدي أي اضطراب جزئي في سلاسل التوريد إلى تفاقم الأزمات الحياتية وزيادة أسعار Bضائع المستهلك.
هل يملك الاقتصاد السوري قدرة على تحمل أي صدمات أمنية جديدة؟
تؤكد التحليلات الاقتصادية والأمنية أن الاقتصاد لا يمتلك أي “وسادة مالية” أو هامش مناورة لمواجهة أي تصعيد عسكري جديد:
-
كلفة “لا حرب ولا سلم”: استمرار التوترات الأمنية وتجمد الملفات الحدودية يستهلك الموارد الضئيلة المتبقية في عمليات التحوط والأمن بدلاً من توجيهها للمشاريع التنموية.
-
المفاوضات والترتيبات الأمنية: تسير المحادثات الجارية للتوصل إلى ترتيبات أمنية ببطء وتواجه تعقيدات ميدانية في مناطق الجنوب والجولان، مما أبقى قطاعات البنية التحتية والطاقة في حالة مخاطرة مرتفعة تؤثر سلباً على قرارات الاستثمار طويل الأجل.
الخلاصة: الاستقرار الاجتماعي والأمني شرط للتعافي
يقف الاقتصاد السوري في عام 2026 بين فرَص انفتاح ودعم دولي مشروط، وبين واقع محلي يعتمد على الاستقرار الأمني والدعم الخارجي لتأمين المتطلبات الأساسية. ولتحويل النمو الإحصائي إلى تعافٍ ملموس، يظل شرط تحقيق الاستقرار السياسي والأمني الداخلي والخارجي هو حجر الزاوية لأي بناء اقتصادي مستدام.
إقرأ أيضاً: نهر الفرات: خسائر تقصم ظهر مزارعي القمح وأزمة الأسعار تشتعل في الأسواق السورية
إقرأ أيضاً: هل حققت سوريا الاكتفاء الذاتي من القمح هذا العام حقاً؟